بعد الإعلان عن رفع جزئي للعقوبات الاقتصادية ، حقيقة الصراع بين أمريكا وأوروبا حول إيران وصندوق النقد الدولي

ليست العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي على أفضل ما يرام منذ فترة, فهناك خلافات بين العملاقين الاقتصاديين على ضفتي الاطلسي حول عدد من القضايا التجارية. وليس هذا مستغربا بين الطرفين اللذين يجدان نفسيهما أحيانا في وضع تنافسي بالاسواق الدولية خاصة في مجالات شركات الطيران والمنتجات الزراعية والتكنولوجيا المتقدمة. فيتمثل أولى هذه الخلافات في كيفية التعامل مع إيران. فالولايات المتحدة انتهجت موقفا متشددا تجاه طهران, مشددة على أن عزل الجمهورية الاسلامية الايرانية وعقابها اقتصاديا هو أفضل وسيلة يمكن بها للعالم أن يدفع النظام الايراني لوقف "تصدير الارهاب" ومحاولة إعاقة عملية السلام في الشرق الاوسط. أما الاوروبيون فقد انتهجوا سياسة عملية براجماتية بشكل أكبر تعتمد على الحفاظ على الحوار السياسي والاقتصادي مع طهران كأفضل وسيلة يمكن بها تشجيع الاعتدال في إيران. والأن أقرت الولايات المتحدة بأن خطها المتشدد لم ينجح في التعامل مع إيران بل قد يكون ,في واقع الحال, سبب في تقويض جهود المعتدلين الايرانيين مثل رئيس الدولة محمد خاتمي. وكانت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية قد أعلنت الاسبوع الجاري أن الولايات المتحدة سوف تفتح أبوابها للصادرات الايرانية - باستثناء أهمها بالنسبة لايران وهو النفط. وسوف يتيح هذا التغيير في السياسة الامريكية دخول السلع الايرانية الفاخرة للولايات المتحدة مثل السجاد والكافيار. وقد يكون لهذا التغيير أثره الاقتصادي المحدود فحسب, ولكنه من الناحية السياسية له مغزاه الكبير بوصفه وسيلة يمكن بها للمعتدلين في إيران أن يقولوا لخصومهم المتشددين إن العالم الخارجي مستعد للاعتراف بالتغيير السياسي داخل إيران. وسوف ييسر التغيير الجديد في سياسة واشنطن دخول المفكرين والرياضيين الايرانيين إلى الولايات المتحدة والبدء في حوار تأمل أولبرايت أن يتحقق. وكانت أولبرايت قد ألمحت قبل عامين تقريبا في كلمة أمام الجمعية الاسيوية في نيويورك إلى هذا التغيير في سياسة واشنطن. ولكن المتشددين في طهران تجاهلوا العرض آنذاك لعدم وجود دليل على صدق نية الولايات المتحدة. أما الان, وبهذه السياسة الامريكية الجديدة التي تشتمل أيضا على وعد من واشنطن بالبدء في إجراءات لحل مشكلة الارصدة الايرانية المجمدة في الولايات المتحدة منذ عشرين عاما, فإنه لن يكون من السهل على طهران أن تتجاهل التوجه الامريكي الجديد. غير أن هذا النهج الامريكي لن ييسر تلطيف الاجواء عبر الاطلسي بالكامل. فمازالت هناك قضايا تجارية لا يمكن الهروب منها. ومازال المثل الكوبي ظاهرا للعيان, إذ ترفض الولايات المتحدة بشدة أي محاولة لتخفيف العقوبات التجارية أو الاقتصادية المفروضة على هافانا. ومن المستبعد أن يتغير ذلك, خاصة في هذا العام وهو سنة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. والسبب يكمن في الامريكيين من أصل كوبي الذين يشكلون قوة سياسية ومالية لا يمكن الاستهانة بها. ولكن هذا التغير في السياسة الامريكية تجاه إيران يوحي بأن إدارة الرئيس الامريكي بيل كلينتون, في عامها السابع من الحكم, وصلت إلى قناعة مفادها أنه حتى الدولة العظمى الوحيدة في العالم لا تملك القدرة لفرض إرادتها على بقية العالم - خاصة عندما ينجح الاتحاد الاوروبي في اتخاذ موقف قوي تجاه قضية دولية بالرغم من خلافاته الداخلية. ولكن مستوى الخلاف الطبيعي تفاقم بين الطرفين مؤخراً من جراء الطريقة السيئة التي عالجت بها واشنطن مسألة اختيار الرئيس الجديد لصندوق النقد الدولي, وهو منصب تشغله شخصية اوروبية في العادة. واعلنت الولايات المتحدة انها تعارض المرشح الالماني الاصلي كايو كوخ ـ فيسر بسبب افتقاده للخبرة والثقل السياسي اللازمين للمنصب. وشكل هذا الرفض صفعة مباشرة للمستشار الالماني جيرهارد شرويدر الذي اظهر علنا تأييده الشخصي لكوخ فيسر, وبطريقة افتقرت للحنكة السياسية المطلوبة من رجل في مركزه. وحقيقة الامر, وفقا لما صرح به مسئولون اوروبيون, ان لاري سومرز وزير الخزانة الامريكية يكن ضغائن متأصلة لكوخ فيسر بسبب رفض الاخير لما اعتبره استغلالا من واشنطن للصندوق كمصرف خاص بها خاصة خلال تنفيذه برامج مساندة مالية عاجلة لدول مثل المكسيك. واتضح رفض كوخ فيسر لهذا النهج الامريكي اثناء عمله في واشنطن. ويبدو الان ان هذا الخلاف السخيف قد تمت تسويته بقبول الولايات المتحدة للمرشح الثاني الذي طرحته المانيا وهو هورست كوهلر رئيس مجلس ادارة بنك الاعمار والانماء الاوروبي, والغرابة انه ليس هناك ما ينم عن تمتع المرشح الثاني بخبرة تزيد عن الأول او بذلك الوضع الدولي الذي قيل ان كوخ ـ فيسر يفتقده.

تعليقات

تعليقات