الاقتصاد الأندونيسي (1)، هل ينتشل الرئيس الجديد اندونيسيا من عثرتها الاقتصادية

في أول تجربة ديمقراطية يعيشها الشعب الاندونيسي بعد حوالي اربعة وخمسين عاما من الحصول على استقلاله اختار الاندونيسيون عبدالرحمن وحيد ليكون رئيسا لهم. وهو اختيار قد يدعو الى التأمل بعض الشيء. فعبدالرحمن وحيد رجل هزيل البنية معتل الجسد ضعيف البصر, فلماذا اختاره الشعب الاندونيسي ليقود سفينتهم ويأخذ بيد اندونيسيا الى شاطىء الأمان ؟! الاندونيسيون يأملون خيرا في وحيد, وإن كان ضعيف البصر الا انه نافذ البصيرة. غير ان وحيد تنتظره مهمة صعبة, فالاقتصاد الاندونيسي لا يختلف في حاله كثيرا عن صحة من تولى مسئولية اصلاحه وانعاشه, اقتصاد هزيل فبعد ان كانت اندونيسيا نمرا آسيويا ـ اصبحت تمد يدها طالبة المساعدة الدولية للتغلب على أزمتها الاقتصادية الطاحنة التي باتت جاثمة على صدر ابناء ذلك البلد ذي الامكانيات الهائلة. ما أهمية تيمور الشرقية؟ من أكبر التحديات التي ستواجه الرئيس الجديد في بداية حكمه الانقسام الداخلي بين افراد شعبه من الناحيتين العرقية والدينية والتي نجم عنها في الاساس مشكلة تيمور الشرقية والتي كادت ان تتحول الى حروب اهلية. ومشكلة تيمور الشرقية مشكلة داخلية في مظهرها بينما تدخلت فيها العديد من القوى الخارجية في جوهرها. فاندونيسيا تتعرض لضغوط خارجية كبيرة من المجتمع الدولي تأخذ احيانا الطابع المعلن وأحيانا اخرى تجري من وراء حجب. فالولايات المتحدة ـ على سبيل المثال ـ تارة تهدد باستخدام السلاح الاقتصادي سلبا فتلوح بفرض عقوبات اقتصادية على جاكرتا لإيقاف حملتها العسكرية في تيمور الشرقية وتارة تلوح بتقديم المساعدات المادية اللازمة لانعاش الاقتصاد الاندونيسي. الا ان تيمور الشرقية لا تملك من المقومات ما يمكنها من الاستقلال عن اندونيسيا فبعد حصول تيمور الشرقية على استقلالها من الاحتلال البرتغالي عام 74 وانضمامها الى اندونيسيا عام 1975 اصبحت تيمور الشرقية تعتمد اعتمادا كليا عليها في أكثر من 80% من دخلها القومي. والولايات المتحدة كعادتها دائما تتدخل في اطار حرصها على مصالحها الخالصة. فمن المهم ان تبقى الولايات المتحدة على علاقاتها طيبة مع جاكرتا لضمان سوق رائجة لانتاجها حيث ان اندونيسيا تعد رابع اكبر دولة في العالم من ناحية عدد السكان حيث يبلغ عدد السكان 200 مليون نسمة. كما ان اندونيسيا تمثل ارضا خصبة للاستثمار لما تتمتع به من امكانات اقتصادية كامنة وثروات طبيعية. الا انها لا تخفي ضغطها على اندونيسيا لانجاح محاولة الانفصال التي تطالب بها تيمور الشرقية مع العلم انه لا يخفى عليها الهزة الاقتصادية التي يمكن ان تحدث من جراء ذلك وتأثيرها على الاقتصاد القومي لاندونيسيا الذي يعاني بالفعل من علل مريرة من ارتفاع عدد السكان المتزايد وارتفاع معدلات البطالة والديون المتزايدة وعملة هزيلة غير مستقرة. من ناحية اخرى يعارض البعض من سكان تيمور الاستقلال التام عن اندونيسيا حيث ان ذلك يتعارض مع مصالحهم فبعض رجالات الاعمال والصفوة يخشون من فقد نفوذهم وسطوتهم الاقتصادية في حالة استقلال تيمور عن اندونيسيا. وهم ايضا المشجعون والمساندون للميليشيات العسكرية المقاومة للاستقلال والرافضة له ليس فقط بدافع اختلاف الدين ولكن لحماية والحفاظ على مصالحهم الاقتصادية. هل انتهى الفساد من اندونيسيا؟ بلغ مجموع ديون ابناء الرئيس السابق سوهارتو ما يقرب من 956 مليون دولار ولم تحرك الدولة ساكنا بل اكتفت بعزلهم من مناصبهم الحكومية في حين استمروا في ممارسة انشطتهم الشخصية دون اية مساءلة. كما تفيد التقارير ان الرئيس الاندونيسي السابق سوهارتو تمكن من جمع ثروة تقدر بنحو 27 مليار دولار خلال فترة حكمه بينما كان الشعب يعاني الجوع والفقر. وذهب سوهارتو بفضائحه وجاء الى كرسي الحكم يوسف حبيبي الذي لم يسلم ملفه من وصمات الاثراء غير المشروع. فقد هدد مجلس النواب في اغسطس من العام الحالي ـ قبيل خروج حبيبي من الحكم ـ بحجب الثقة عن حكومته اذا لم تتخذ اجراءات حاسمة في فضيحة بنك دايلي التي باتت تعرف بـ (دالي جيت) التي اهدر فيها نحو 70 مليون دولار امريكي. وتصاعدت الاصوات مطالبة باستقالة كبار مسئولي الحكومة الضالعين في هذه الفضيحة التي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير وأدت في نهاية الامر الى ابعاد حبيبي عن كرسي الحكم. القوى الخارجية ويبدو ان القوى الخارجية قد لعبت دورا كبيرا في خلق الازمة الاقتصادية الطاحنة التي تعاني منها اندونيسيا, فأولا: تهتم الدول العظمى في المقام الاول بمصالحها القديمة حتى وان كانت على حساب الشعوب الاخرى. حيث كانت اندونيسيا تشكل قوة قادمة على طريق النمو الاقتصادي وكما يقولون فإن الوقاية خير من العلاج. فبدلا من ان تتمكن اندونيسيا من فتح نافذة كبيرة تطل منها بقوة على عالم الاقتصاد والاعمال ويجبر المجتمع الدولي على ان يفسح لها مكانا وسط صفوف محركي خيوط اللعبة الاقتصادية فمن الافضل ـ في رأيهم ـ الابقاء عليها تحت ضغط المشكلات السياسية والاقتصادية. ومن اهم القوى السياسية الخارجية التي تتدخل بثقلها في هذه القضية استراليا, التي تعمل جاهدة على تحقيق استقلال تيمور الشرقية ليس لتحقيق الاستقلال لهذا الجزء المطالب بالانفصال والحفاظ على حقوقه وانما لما لها من مصالح اقتصادية في هذا الجزء من اندونيسيا. وكذلك الولايات المتحدة والبرتغال ـ المستعمر السابق لتيمور الشرقية ـ وان كانت تخفي كل اطماعها الاقتصادية تحت عباءة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. فلابد ان يبقى النمر الآسيوي هزيلا داخل ذلك القفص الذي بنيت جدرانه من قضبان سميكة من الانهيار الاقتصادي ولعل من الممكن ان يتمكن عبدالرحمن وحيد بما يتمتع به من تأمين شعبي واسع ان يخرج باندونيسيا من كبوتها الاقتصادية ليفسح لها مكانا جديدا تحت شمس الاقتصاد العالمي المعافى. هل تساعد قروض البنك الدولي في عودة الاستقرار لاندونيسيا؟ وافق البنك الدولي في 18 مايو العام الحالي على منح اندونسيا 400 مليون دولار في شكل قروض لتخفيف حدة الفقر في المدن وتحسين ادارة موارد المياه. وقد يمنح البنك اندونيسيا 1.1 مليار دولار اخرى لميزانية 1999/2000. لكن مانحين آخرين كانوا قلقين من ضخ مزيد من الاموال في شرايين اقتصاد البلاد, قبل اجراء الانتخابات الاخيرة, خوفا من اساءة استغلالها. الا ان على اندونيسيا ان تتخطى مشكلات الأزمة المالية الآسيوية واثناء محاولاتها ذلك, ما زالت مشكلات مثل الفساد وشبكات المصالح والمحسوبية تعترض طريق الاصلاح. فقد فضل كثير من المانحين تأجيل مساعداتهم حتى انتهاء الانتخابات, حتى يرون ما سيحدث في البلاد عقب هذه الانتخابات. لكن المخاوف من الفساد والاضطرابات الاجتماعية, لا مبرر لها, لأنها اول انتخابات حقيقية تجرى في اندونيسيا على مدى ثلاثة عقود. وتنافس في تلك الانتخابات 48 حزبا سياسيا وبسبب تنافسها العديد من اعمال العنف, لكن البنك الدولي اختلف عن المانحين الآخرين واتخذ موقفا معاكسا, فقد وافق البنك على صرف قرض قيمته 400 مليون دولار فورا دون الانتظار حتى الانتهاء من الانتخابات العامة او اختيار الرئيس الجديد (الحالي). وتعد هذه القروض حافزا على ضمان احلال السلام والاستقرار خلال الانتخابات وعند انتقال السلطة فيما بعدها. وقد يكون البنك الدولي يعبر عن التزام دولي برفاهية اندونيسيا على امل تجنب انفجار اجتماعي. وفي الوقت نفسه, قد تذهب الاموال بعد حصول اندونيسيا عليها الى تمويل حملات القادة السياسيين حتى يظل مؤيدوهم تحت السيطرة. ففي الوقت الذي لا يصرح البنك الدولي المانحون الآخرين بأنهم يقدمون تلك القروض لشراء الاستقرار, فإن قروضا أصغر قد تساعد في تحقيق هذا الهدف. لكن الواضح هو ان المانحين الدوليين يحاولون ضمان افضل اسلوب عمل في معالجة المشكلات الاقتصادية والمالية الاندونيسية في ذاك الوقت ولديهم رغبة اقوى في تجريب عدد من الخيارات. بحر الدين يوسف حبيبي ... الخروج من السلطة بفضيحة مالية عبدالرحمن وحيد يصافح نائبه ميجاواتي تيمور الشرقية ... الجذور الاقتصادية للنزاع العنف يهدد مستقبل التنمية في اندونيسيا تغيرات حركة البورصة الاندونيسية شهريا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات