الحكومة اللبنانية تبحث خطة لاعمار وتنمية الجنوب اللبناني

من المتوقع ان تقر السلطات اللبنانية خطة لاعمار منطقة الجنوب المحتلة, وهي المرة الاولى التي يتم فيها وضع خطة لاعادة اعمار وتنمية الجنوب منذ احتلاله, فليس من المعروف حتى الآن متى ينتهي الاحتلال الاسرائيلي للجنوب اللبناني.ومع ذلك قامت عدة جهات دولية ومحلية بوضع تصور تنموي يشمل جوانب اقتصادية واجتماعية لتنمية الجنوب اللبناني بعد انتهاء الاحتلال والتوصل الى اتفاق سلام شامل مع اسرائيل لكن الخطة توقعت ان يبدأ تنفيذها بعد عشر سنوات من الآن, وقد تسلمت رئاسة مجلس الوزراء اللبناني تلك الخطة من الجهات التي وضعتها في ابريل الماضي بهدف البت فيها. وتتكلف خطة تنمية الجنوب 1020 مليون دولار امريكي وتنفذ من خلال مرحلتين المرحلة الاولى يمكن تنفيذها قبل انتهاء الاحتلال الاسرائيلي وتستغرق ثلاث سنوات وتتكلف 307 ملايين دولار امريكي, بمتوسط سنوي 102 مليون دولار امريكي تقريباً. اما المرحلة الثانية فتنطوي على المشروعات التي لا يمكن تنفيذها الا بعد انتهاء الاحتلال وتستغرق نحو خمس سنوات وتبلغ تكلفتها التقديرية 696 مليون دولار امريكي. وهناك فترة انتقالية بين هاتين المرحلتين,وينتظر ان يتم خلالها الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني وتتكلف المرحلة الانتقالية حسب الخطة 16 مليون دولار امريكي. لكن الخطة مع ذلك لم تذكر تفاصيل المرحلة الاخيرة فيها التي تبدأ عقب الانسحاب الاسرائيلي والتوصل الى سلام شامل بين البلدين لكن الخطة المستقبلية اشارت الى احتمالات تطور مراحلها بناء على متغيرات الوضع, مثل استمرار النزاع لفترة غير محدودة, او انسحاب اسرائيلي من جانب واحد او بناء على اتفاق سلام شامل, ثم استقرار الوضع في ظل عدم وجود تبادلات عبر الحدود مع اسرائيل, او تبادلات محدودة, والمرحلة الاخيرة, التي لم تتطرق الخطة الى تفاصيلها هي مرحلة السلام النهائي, وتصورت ان تبدأ بعد عشر سنوات اما المرحلة الثانية من الخطة فهي التي استحوذت على اغلب المشروعات المتوقعة في مجال البنية التحتية خاصة الطرق اضافة الى محطات النقل البري (عند نقطة حدود الناقورة). كانت الحكومة قد قررت في عام 1997 وضع خطة انمائية لمنطقة الجنوب واسندتها الى الهيئة العليا للاغاثة بدعم من برنامج الامم المتحدة الانمائي ومجموعة مانحين تضم كلا من هولندا 31% والصندوق العربي لدول الخليج 8% وايرلندا 4%. وقد تولى برنامج الامم المتحدة تأمين التمويل المذكور وتم تكليف شركات فرنسية ولبنانية وامريكية باجراء الدراسة وتقديم الخدمات الاستشارية. وانتهى العمل في هذه الخطة في مايو 1999 وتم تسليمها الى مجلس الوزراء على شكل (وثيقة مؤقتة) وحفظت قيد موافقة الجهات الرسمية بعد الفحص والدراسة لكن الحكومة لم تعلن موقفها من الخطة, ومن المتوقع ان يتحدد موقف الحكومة منها في نهاية الشهر الحالي. وتذكر الوثيقة التنموية التي نشرت صحيفة (السفير) اللبنانية مقتطفات منها الاسباب التي دعت الحكومة الى اعطاء الاولوية لتنمية منطقة الجنوب اللبناني واسباب اعداد البرنامج والمحيط الذي يغطيه. وقالت الوثيقة في أسباب الاهتمام بالجنوب انه تبين ان هناك تفاوتا كبيرا في معدلات التنمية بين المدن الرئيسية والارياف اللبنانية, وبين الشريط الساحلي والمناطق الداخلية وبين المراكز الرئيسية وضواحيها. كما ذكرت نفس الوثيقة ان الاسباب التي دعت الى وضع هذه الدراسة واوصيتها هي وجود ثغرات وفجوات في سياسة الدولة في تنمية الجنوب اللبناني, وبرغم الاستثمارات الهامة في البنية التحتية الا ان تلك السياسة افتقرت الى المنهجية والرؤية الشمولية من اجل النهوض بالاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل, بل اقتصر العمل الحكومي على تقديم مساعدات اكثر منه تنمية حقيقية. وطرحت الوثيقة التنموية عدة أسئلة مثل ما الذي يجب عمله حتى يتم الانسحاب؟ وما ينبغي عمله بعد الانسحاب؟ ثم فصلت الاجابة على هذه الاسئلة بقولها. من الممكن تنفيذ العديد من المشاريع هدفها دعم صمود المواطنين في الجنوب ومعالجة الطوارئ والتحضير للمستقبل, وهي باختصار: * دعم المزارعين, عبر قروض صغيرة الحجم وعبر مساعدات للمكننة وللاسمدة والشتل, وللارشاد الزراعي. * المساعدة على خلق فرص عمل: لا سيما التشجيع على خلق مؤسسات صغيرة او فردية, عبر القروض صغيرة الحجم والدورات التدريبية. * معالجة الطوارئ: وذلك باعادة بناء ما يتم تدميره, ومعالجة اوضاع اسر الشهداء والاسرى المحررين. * صيانة شبكات البنية التحتية والتجهيزات الصحية والتعليمية. * التحضير للمستقبل: لا سيما حماية الثروات السياحية عبر مراسيم تحمي بشكل خاص الشاطئ الرملي بين صور والناقورة, وجوار بحيرة القرعون, وسفوح جبل الشيخ, والمواقع الاثرية والطبيعية الهامة. * تحسين اوضاع مدينة صور: وذلك لكي تتمكن صور من ان تلعب دورها الأساسي في انماء الجنوب الاقتصادي حال انتهاء النزاع, واغلب المشاريع التي يفترض تنفيذها في هذا الاطار هي من مهمات المجلس البلدي. (ب) ـ ما العمل بعد الانسحاب: خطة الـ 10 سنوات: يجب ان يكون لبنان مستعداً لمعالجة الطوارئ التي يمكن ان ترافق الانسحاب, ومستعداً لتأمين الظروف المثلى لعودة الدولة الى هذه المنطقة, ومستعداً ايضاً لاطلاق حملة دعم داخلية عربية وعالمية لانماء الجنوب. وتشمل هذه الامور, بشكل خاص, النقاط التالية: * معالجة اوضاع الاسرى المحررين وعناصر الميليشيات المحلولة. * معالجة عودة المهجرين الى مدنهم وقراهم. * نزع الالغام وتنبيه المواطنين الى خطرها. * منع الاعمال الانتقامية. * التحضير لتوزيع معونات معيشية وصحية قد تكون ضرورية. * القيام بحملة اعلامية مبرمجة هدفها استدراج الدعم الخارجي, يكون محورها خطة انمائية جاهزة وواضحة, ومن المفترض استهداف جلب اكبر قدر من المساعدات المالية والعينية في هذا الاطار. * بعد تحقيق الانسحاب الاسرائيلي, أكان ناتجا عن قرار من جانب واحد أو عن اتفاق سلام شامل في المنطقة, ينبغي الانطلاق من تنفيذ خطة انمائية طموحة أمدها عشر سنوات, غايتها تأمين السلام والأمن والتطور الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة, وعودة الربط المتين للجنوب بالمجتمع اللبناني والدولة اللبنانية. وينبغي تركيز هذه الخطة على الأسس التالية: * ديناميكية المدن, عبر تطوير قطاع الخدمات فيها. * تطوير الزراعة التي ستبقى العمود الفقري لاقتصاد المناطق الداخلية, مع اعطاء عناية خاصة لنشاط التوزيع والتسويق. * النهوض التدريجي في القطاع السياحي: ثقافة, استجمام, شاطىء, آثار, ادخال التطور الصناعي, لاسيما صناعات تحويل المنتجات الزراعية واستثمار الثروة المائية وحمايتها. ومن أهم المشاريع الملحوظة في هذا الاطار: ـ الطرقات الدولية: الطريق الساحلي وطريق الزهراني ـ النبطية ـ مرجعيون راشيا المصنع, علما ان هذه الطرق يمكن تطويرها من مرجعيون باتجاه القنيطرة وطرق الخليج شرقا, وباتجاه الحولة والقدس جنوبا, في حال توقيع اتفاقيات سلام نهائية في الشرق الأوسط. ـ الطرقات الأساسية ذات الأولوية: طريق جزين ـ بنت جبيل عبر النبطية, وطريق صور ـ بنت جبيل عبر تبنين. ـ محطات النقل البري: في صور والنبطية, ولاحقا في الناقورة. ـ المياه والري: مشروع القناة 800 ومشروع سد الخردلي واستثمار المياه الجوفية. ـ الشبكات الأخرى: تطوير شبكات الكهرباء والهاتف, وتطوير معالجة المياه المبتذلة. ـ المدارس: انشاء الابنية المدرسية, وتجهيز المدارس بما يتناسب مع عدد السكان الحالي والمرتقب. ـ الصحة: تحسين الخدمات الصحية وتدريب اخصائيين للعمل في المستشفيات والمستوصفات. ـ الزراعة: تطويرها, وتحويل زراعات التبغ الى زراعات جديدة مروية منتجة, وارشاد زراعي, وبناء شبكات تسويق حديثة وفعالة. ـ السياحة: تشجيع بناء الفنادق وايجار الشقق المفروشة للسائحين, وتطوير الاعلام السياحي, تنظيم المهرجانات والمعارض. * الصناعة والخدمات: تشجيع بناء المؤسسات, وتجهيز مناطق صناعية جديدة. * العمل الاجتماعي: القروض صغيرة الحجم, والتدريب المهني, ومحو الأمية. * الأمن وتواجد الدولة: نزع الألغام, اعادة تأهيل المباني, واجراء انتخابات بلدية. للجنوب والبقاع الغربي مميزات تفاضلية كثيرة يمكن استغلالها لتخفيف العبء الاستثماري على الدولة, وذلك من خلال تدخل مدروس يهدف الى تحفيز القطاع الخاص والاستثمار في تنمية الموارد البشرية وبعض القطاعات الانتاجية المهمة, كالزراعة والسياحة والصناعات الصغيرة والمتوسطة. وينبغي التحضير منذ الآن لاستغلال اهتمام الدول المانحة في توفير المساعدات للمنطقة بتقديم برنامج عمل يساعد على استثمار هذه المساعدات في سبيل التنمية المستدامة. من يقوم بتنفيذ الخطة التنموية للجنوب؟ 1ـ اقتراح يقوم على مبدأ التنسيق في اطار الهيكليات الموجودة: وهو يرتكز على ان تشكل, من داخل الحكومة, هيئة عليا لتنمية الجنوب, تعمل على غرار هيئة الاغاثة القائمة حاليا وتوزع المهمات على مختلف الجهات الحكومية المعنية, وتتولى مباشرة تنفيذ قسم (التنمية) وقيادة البرنامج. 2ـ اقتراح يرتكز على الاصلاح الهيكلي: ويتمثل في اسناد مهمة تنفيذ قسم (التنمية) من البرنامج الى مجلس الجنوب (بواسطة فريق من المستشارين) على ان يعمد الى اصلاح هيكليته, وخصوصا من خلال مجلسه الاداري الذي يتحول الى هيئة استشارية مكونة من ممثلين عن الدول وفاعلين اقتصاديين من المنطقة. 3ـ اقتراح يقوم على مبدأ الفاعلية المباشرة والقدرة الانتاجية: ويتمثل في اسناد مهمة تنفيذ البرنامج الى مجلس الانماء والاعمار (سي.دي.آر) من خلال تشكيل فريق من المستشارين يقيم في المنطقة ويتولى قيادة وانجاز قسم (التنمية) . وهذه الصيغة يمكن تطبيقها على برامج تنمية اخرى تستفيد منها مناطق لبنانية اخرى. حشود الموارد ان برنامج تنمية جنوب لبنان, ونظرا الى الرهانات المرتبطة به, ينبغي ان يكون في وسعه الافادة من اهتمام الشركاء المؤسساتيين المهمين على صعيد التعاون الثنائي والمتعدد الاطراف الذي يفترض ان تحفزه الحكومة اللبنانية. كما ان من الضروري تعبئة الانتشار اللبناني (المغتربين) لحث افراده على الاستثمار في جنوب لبنان, ولاسيما غداة انتهاء النزاع. وأخيرا فإن المنظمات غير الحكومية والمحلية ستكون بمثابة شركاء مفضلين من اجل وضع البرنامج موضع التنفيذ. المتابعة والتقويم ان عملية المتابعة والتقويم الدائمة للبرنامج هي أمر ضروري, وينبغي ان ترتكز على رصد سلسلة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المقترحة في هذا التقرير. كم يتكلف لبنان لاعادة جنوبه كما كان؟ هل يمكن اعادة الإعمار في ظل الاحتلال؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات