افاق اقتصادية: التناقض بين المؤسسات الدولية

تدعو منظمةالتجارة العالمية الى تحرير التجارة العالمية وتعطي مساحة كبيرة من الوقت والحرية للدول الأعضاء لوضع أهدافهم الاقتصادية والتجارية المدروسة والسعي لتحقيقها في إطار القواعد والأنظمة التي تصيغها المنظمة. فهي تخلق الارضية التشريعية والاطار القانوني العام اللازم لتحرير التجارة العالمية بما يخدم كافة الدول الأعضاء وتترك مساحة كبيرة من الحرية للاعضاء للتفاوض وتحديد السياسات الاقتصادية التي تناسبهم في اطار السياسة العامة للمنظمة . وفي الوقت ذاته تعمل عن طريق التفاوض والاقناع مع الدول الاعضاء واعطاء مساحة استثنائية من الزمن تختلف باختلاف ظروف كل دولة على ازالة العقبات التي تعترض تحرير التجارة بما في ذلك القيود الجمركية وغير الجمركية. ومن هذا المنطلق فهي تعمل على اقناع الدول الاعضاء تدريجياً بازالة الدعم الذي تقدمه الحكومات للانشطة الاقتصادية كالزراعة والصناعة والتجارة وغيرها. فماذا عن الدعم الذي يقدمه كل من صندوق النقد والبنك الدوليين ضمن برامجهما الى الدول الداخلة في إطار دعمهما, وهل يوجد تناقض بين سياسات تلك المؤسسات, في الحقيقة اننا لو رجعنا الى المادة الأولى من بنود اتفاقية الصندوق لوجدنا ان اصلاح التجارة العالمية يعتبر من صميم أهداف الصندوق حيث تنص المادة على (من أجل تسهيل النمو المتوازن في التجارة الدولية وتنميته, ومن أجل المساهمة الفاعلة في اصلاح وتطوير المستوى الاستيعابي للقوة العاملة ومن ثم رفع مستوى الدخل الحقيقي, ومن أجل تنمية الموارد الاقتصادية لكافة الأعضاء بما يتفق وأهدافهم الاقتصادية, من أجل كل هذه الأهداف أوجد الصندوق) ولايفوتنا ذكر ان صندوق النقد الدولي قد عقد اتفاقية تعاون وتنسيق مع منظمة التجارة العالمية تم البدء بتطبيقها في التاسع من ديسمبر عام 1996م. صحيح انه من حيث المبدأ يسعى كل من البنك والصندوق الدوليين الى وضع برامج دعم لاقتصاديات بعض الدول, بيد ان ذلك لايتناقض اطلاقاً مع خطر الدعم الذي تتبناه منظمة التجارة العالمية, حيث ان ذلك حالات استثنائية لاقتصاديات معينة ووفق برامج مدروسة ومحددة من قبل تلك المؤسسات الدولية. ومن هذا المنطلق نرى ان دور كل من البنك والصندوق لايقتصر على مجرد الدعم المادي بل يتعداه الى ضرورة اجراء بعض الاصلاحات الاقتصادية بشكل عام والصناعية والتجارية على وجه التحديد, فكلتا المؤسستين تتدخلان وبشكل مباشر في توجيه السياسات الاقتصادية لبعض الدول الاعضاء الخاضعة لبرامج الدعم من تلك المؤسسات وذلك من أجل ضمان فاعلية ذلك الدعم المقدم وتوجيهه الوجهة السليمة من أجل تحقيق الأهداف بعيدة المدى لتلك المؤسسات الدولية فضلاً عن الأهداف قصيرة المدى. كما وتعكف تلك المؤسسات على دراسة مدى الآثار السلبية التي قد تنجم عن الالغاء التدريجي للتعرفة الجمركية على تلك الدول التي تعتمد اقتصادياتها اعتماداً كبيراً على تلك الضرائب الجمركية كمصدر دخل رئيسي ومحاولة ايجاد مصادر دخل بديلة لذلك عن طريق العمل على دعم الأنشطة الاقتصادية ذات الانتاج الحقيقي. وبناء عليه فإذا حدث تناقض بين سياسات تلك المؤسسات الدولية (الصندوق والبنك) من ناحية والمنظمة من ناحية أخرى فإن سياسات الصندوق أو البنك هي التي تغلب ويتم تطبيقها وفي هذه الحالة تستبعد سياسة منظمة التجارة العالمية حيث تكون غير ملزمة وذلك حتى الانتهاء من برامج الصندوق أو البنك وتقييم آثارها ونتائجها. واذا برز ذلك التناقض فهو مرحلة وقتية قصيرة الأجل بيد ان سياسات تلك المؤسسات الثلاث في المدى البعيد تهدف الى أهداف متناسقة وموحدة. د. محمد ابراهيم الرميثي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات