آفاق اقتصادية: فضائح المنتجات الغربية، بقلم: د. محمد ابراهيم الرميثي

في الحقيقة تنظر كافة الدول النامية وحديثة العهد بالتصنيع الى الدول الصناعية الغربية نظرة اعجاب وانبهار بتلك المدنية التي بلغت مستويات من التحضر لم تبلغها البشرية من قبل على كافة الاصعدة التكنولوجية والصناعية والادارية والسياسية فأصبح لدى تلك الدول الصناعية رصيد من الثقة يصعب اختراقه وتمكنت بذلك الرصيد المتنامي من بناء حاجز صلب يحمي صناعاتها ومنتجاتها ضد المنافسات في الاسواق الداخلية والخارجية على حد سواء بيد ان ظهور الفضائح المتلاحقة, لا شك سوف يعمل على هز تلك الثقة واعطاء نسبة اكبر من الاسواق لمنتجات الدول حديثة العهد بالتصنيع فمنذ عقد من الزمان سمعنا عن فضيحة البيض المحتوي على فيروس (السالمونيلا) في بريطانيا ولقد شكل ذلك ضربة قاصمة لصناعة البيض والدواجن البريطانية وبعدها بفترة وجيزة ظهرت قضية جنون البقر في بريطانيا ذاتها حيث ظهرت لديهم ابقار مصابة بالجنون نتيجة تناولها لأعلاف مخلوطة ببقايا اللحوم الميتة ومخلفات المجازر وفضلات الاسماك, وكان لتلك الفضائح صدى كبير في كافة دول اوروبا بل في العالم اجمع حيث حرصت الدول على تحجيم المشكلة وحصرها في بريطانيا فقط والحد من نسبة تسرب تلك اللحوم, واليوم نسمع عن فضيحة اللحوم في كل من هولندا وبلجيكا وترجع المشكلة الى قيام بعض الشركات بخلط الاعلاف بزيوت عوادم الموتورات التي تحتوي على مادة (الديوكسين) بغرض زيادة اوزان الاعلاف وحفظها من الجفاف لفترة طويلة والمعروف ان مادة الديوكسين احدى المواد المسببة لمرض السرطان ولقد جرت تلك القضايا فضائح جسيمة في دول اوروبا حيث كشفت عن تورط شركات عديدة ذات سمعة عالمية بهذا الغش التجاري الكبير فلقد شمل الغش تزوير شهادات المنشأ لتلك المنتجات وتزوير الاختام على تلك المنتجات وتهريب آلاف منها ومشتقاتها الى الكثير من دول العالم منها بعض الدول العربية وروسيا وفرنسا واسبانيا والبوسنة وبعض الدول الافريقية وعلى الرغم من ان كافة دول العالم قد اتخذت احتياطياتها لمواجهة تلك الازمة وحظر استيراد تلك اللحوم ومشتقاتها الا ان المشكلة تبقى اكبر مما نتصورها وخصوصاً مع تواطؤ الساسة والحكومات بتلك الدول المتورطة في هذه الفضائح الصناعية, وتسترها عليها, والحقيقة ان الدول الصناعية الغربية توجد لديها فضائح صناعية تفوق بكثير ما يتم كشفه للرأي العام وفي الغالب تسعى الحكومات جاهدة الى احتواء تلك الفضائح والتستر عليها, الا انها بصفتها دولاً ديمقراطية حيث تمنح الافراد مساحة كبيرة من الحرية الصحفية والتعبير عن الرأي نرى ان بعض تلك الفضائح الكبيرة يفيض عن ستار الحجر ويظهر للرأي العام ثم ينتشر في دول العالم كانتشار النار في الهشيم ويعم صداه, والسؤال الذي يطرح نفسه هنا أين الاتحاد الاوروبي ومؤسساته الاقتصادية والادارية والسياسية والتشريعية والقضائية؟ هل يعمل هو الآخر على التستر على مثل تلك الفضائح ام ان اجهزته ليست بتلك الدرجة من الكفاءة التي نتصورها؟ في الحقيقة نحن نعطي الدول الصناعية الغربية صورة حضارية اكبر من حجمها وكان ينبغي لنا مع تلك الاحداث والفضائح المتلاحقة ان نضعها في حجمها الطبيعي فأية حضارة انسانية تلك التي تقوم بالتستر على مثل هذه الفضائح التي تهدد الثروة الحيوانية وتهدد البيئة وتهدد الانسان ذاته وأية حضارة انسانية تلك التي لا تنظر الا من ثقب الربح وبغض النظر عن الوسيلة والطريقة وأية حضارة انسانية تلك التي لا تحترم الجانب الانساني والاخلاقي والمبدئي والقانوني انها بالفعل ليست حضارة بالمفهوم الحقيقي للحضارة بل هي مدينة صناعية ادارية تكنولوجية ومن هذا المنطلق فنحن نرى ان الفرصة تصبح سانحة بالفعل للدول النامية والدول حديثة العهد بالتصنيع لسد ذلك الفراغ العالمي بمنتجات راقية مادياً ومعنوياً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات