مؤكدا مرونة الدستور الكويتي لتقبل الفكرة واستيعابها،المقاطع : الخصخصة عملية متكاملة ورقابة الدولة ضرورية لرعاية الاقتصاد الوطني وحماية المستثمرين

أكد الخبير الدستوري وأستاذ القانون العام المساعد في جامعة الكويت محمد المقاطع ان الدول النامية والمتقدمة, تسعى استجابة للعديد من الاعتبارات الادارية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية, إلى اسناد ادارة العديد من المشروعات المملوكة لها للقطاع الخاص . وذلك من خلال نقل ملكية هذه المشروعات أو ادارتها إلى ذلك القطاع وهو الموضوع الذي يطلق عليه برنامج الخصخصة للمشروعات العامة. وأضاف: ان الدول تهدف ضمن ما تهدف إليه حال تبنيها لبرنامج الخصخصة إلى التخلص من تبعات ادارة مرافق عامة معينة بما يمكنها من تحقيق الكفاءة والمرونة في أسلوب ادارة تلك المرافق من جهة, وتخفيف حجم التزاماتها التنظيمية والادارية في تيسير تلك المرافق من جهة أخرى. كما ان نقل تلك الملكية للقطاع الخاص يفترض أن يحقق للدولة فائدة مزدوجة تتمثل في توفير المبالغ المرصودة لادارة ذلك المرفق من جانب, فالدولة تحقق عوائد مالية نتيجة بيع أصول تلك المشروعات أو ادارة خدماتها وهذا هو العائد الفوري كما انها تستفيد ماليا في مقابل ما تقدمه من تسهيلات وخدمات وما تفرضه من رسوم وضرائب على ذلك المشروع بعد انتقال ملكيته للقطاع الخاص, فضلا عن احتمالية بقائه في يد القطاع العام إذا كان قد بيع للقطاع الخاص اعمالا لفكرة (التمليك المؤقت) أو (بيع حق الاستغلال لأجل محدود) (وهو ما نطق عليه بالاصطلاح القانوني (عقد الامتياز) ). وأشار د. المقاطع إلى انه من الناحية الاجتماعية فإن الدولة سوف تتمكن من تحسين خدماتها ذات الطابع الاجتماعي بعد أن قلت مسؤوليتها عن المشروعات التي كانت تتولى ادارتها, فضلا عن انها ستكون أكثر قدرة على الاستجابة والاهتمام بالمشروعات المستجدة ذات الطابع الاجتماعي, وهو ما سينعكس في محصلته النهائية على تفعيل دور الدولة في مواجهة مسؤولياتها الاجتماعية. أما سياسيا فإن الدولة ستكون في منأى عن اللوم أو الحرج السياسي داخليا أو خارجيا, عما عساه أن تتبعه تلك المشروعات المخصخصة من سياسات وخطط سواء تعلق ذلك بأسلوب الادارة في شؤون العاملين أو بالسياسات المالية أو على أقل تقدير فإنها سوف تواجه لوما واحراجا أقل وطأة - نظرا لدورها الرقابي - مما لو كانت المشروعات مملوكة لها أو تدار من قبلها مباشرة. قانونية الخصخصة وأضاف قائلا انه من الناحية القانونية فإن الدولة تكون قد استجابت ووازنت بين العديد من الاعتبارات وحققت المشروعية المناسبة التي يجب أن تسير تلك المشروعات وفقا لها, وهو ما لم يكن متيسرا لها أن تسير عليه حينما كانت تلك المشروعات مملوكة لها بالكامل. ولما كان الجانب القانوني لخصخصة المشروعات العامة على غاية من الأهمية, وتثور بمناسبته العديد من الموضوعات والمسائل القانونية التي تستحق أن يتم التصدي لها, وحيث ان هذا الموضوع رغم أهميته البالغة لم يحظ بالدراسات القانونية الكافية, فإنه كان لابد من افراد هذا الموضوع بما يليق به من اهتمام من الناحية القانونية. وحيث ان الاسس الدستورية للمشروعات المخصخصة, ونوع وطبيعة الرقابة التي يمكن أن تفرضها أو تمارسها الدولة في مواجهة تلك المشروعات تعد احدى أهم أوجه الجوانب القانونية لخصخصة المشروعات باعتبارها تشكل في مجموعها مرتكزات النظام القانوني للدولة ومدى استيعابه لفكرة الخصخصة من عدمه. فإننا سنعمد في هذا البحث إلى تناولها بالدراسة والتمحيص, آملين أن نبلور فكرا قانونيا مؤصلا لهذا الموضوع في ضوء القواعد القانونية الحاكمة له, مستفيدين من تجارب الدول الأخرى في هذا المجال, وواضعين في اعتبارنا الملائمات اللازمة لمعالجة موضوع مثل هذا تتجاذبه ظروف العصر ومتغيراته والتي تسير نحو اقتصاد السوق, بما يستلزمه ذلك من أن تكون القواعد القانونية الدستورية اطارا وسياجا يحفظ المشروعية لهذه الأنشطة من جهة, ويزودها بالأسس والحلول التي تضمن لها المرونة والاستمرار من جهة أخرى. أنواع المشروعات وقسم د. المقاطع المشروعات الاقتصادية إلى عدة أنواع بعضها غير قابل للخصخصة والبعض الآخر قابل للخصخصة ولكن بضوابط وشروط والبعض الثالث يمكن خصخصته بشروط عادية. ويقول في هذا الصدد: ربما يعتقد البعض ان عملية الخصخصة يمكن أن تشمل جميع الأنشطة والمرافق والخدمات التي تتولاها الدولة, الا ان هذا الاعتقاد ليس في محله ذلك ان هذا الموضوع فيه بعض الصعوبة والتعقيد أكثر مما يخطر في اعتقاد ذلك البعض. فما يمكن أن يكون محلا للخصخصة أو بشكل أدق قابلا لذلك, إنما يعتمد أساسا على معيار هام وجوهري, الا وهو (نوع وطبيعة النشاط أو المرفق أو الخدمة التي ستكون محلا للخصخصة) . فهناك نوع من المرافق أو الأنشطة أو حتى الخدمات التي تضطلع بها الدولة اليوم, ولا يمكن بحال من الأحوال أن يتم خصخصتها نظرا للطبيعة الخاصة لهذه المرافق أو الخدمات أو لكونها من الوظائف الأساسية التي لا يمكن أن تناط إلا بالدولة وحدها, ومن أمثلة ذلك, مرفق القضاء والأمن والدفاع, بل والسلطات العامة الثلاث, أي التشريع والتنفيذ والعدالة وهو ما سنتناوله تفصيلا في البند أولا. كما ان هناك مرافق أخرى أو خدمات أو أنشطة تمارسها الدولة وتكون بطبيعتها قابلة للخصخصة الا ان نوعيتها الحيوية أو طبيعتها الاحتكارية تقتضي أن تتم عمليات خصخصتها بضوابط مسبقة وأخرى لاحقة بما يتحتم معه استمرار رقابة الدولة واشرافها عليها, ومن ذلك المشروعات التي تحظى بميزة الاحتكار (شركة النقل العام) أو المشروعات الخاصة بخدمات حيوية ليس للناس غنى عنها, أي انها خدمات ضرورية لسير الحياة الانسانية في العصر الحاضر, ومن ذلك خدمات الكهرباء والمياه, والصحة, ولذلك فإن مثل هذه الخدمات حتى ولو تم خصخصتها سنجد انها حتى في الدول المغالية في الرأسمالية تحظى بدعم الدولة للمواطنين لتسهيل انتفاعهم منها. المشروعات غير القابلة للخصخصة: ويندرج تحت هذه الطائفة مجموعة من هذه الأنشطة أو الخدمات أو المرافق التي لا يمكن أن ترد الخصخصة عليها بحال من الأحوال, وذلك نظرا لكونها من الأمور التي تدخل في الوظائف الأساسية للدولة مثل القضاء والأمن والدفاع أو لكونها تتصل بالتكوين الأساسي لبناء الدولة ونقصد بذلك السلطات الثلاث, تشريعية أم قضائية أو تنفيذية, بل ان كل نشاط أو مرفق مما هو لصيق بمهام الدولة ومسؤولياتها, وذو طبيعة سياسية, فانه يكون من طائفة الأمور غير القابلة للخصخصة ومن أمثلة ذلك السياسة الخارجية, التنازل عن أراضي الدولة لدول أخرى, الاذن باستخدام الأجواء الفضائية الكويتية, ويدخل ضمن هذه الطائفة كل مرفق يكون الاحتكار الواقعي لا القانوني رديفا له بالضرورة, ومن ذلك خصخصة ادارة الطيران المدني حال كون الكويت بطبيعتها لا تستوعب أكثر من مطار واحد, ولا يمكن أن يتحكم بأجوائها الا جهة واحدة, كما يدخل ضمنها ما نص الدستور على انه من الوظائف المناطة بالدولة فقط أو بدعم منها لانه يقدم مجانا بحكم الدستور للمواطنين ونقصد هنا التعليم بمراحله الأولى والذي قرر بشأنه الدستور في المادة (40) ما يلي (التعليم الزامي مجاني في مراحله الأولى) . وقد تناول مشروع القانون المقدم أمام مجلس الأمة بيان المرافق التي لا يجوز خصخصتها استنادا للمبررات السابقة وقد عالجت ذلك المواد (,3 ,4 5) من القانون وعلى سبيل المثال نذكر نص المادة (4) والتي تقرر (لا يجوز خصخصة المشروعات العامة المتعلقة بقطاع انتاج النفط) , وهو أمر وتوجه محمود للمشرع الكويتي رغم ان التعديل الأخير قلل من أهمية هذا الأمر حينما هدف إلى الغاء القيود التي ترد على خصخصة المرافق على نحو كامل. المشروعات القابلة للخصخصة ولكن بضوابط مسبقة: تتسم طائفة من المشروعات العامة سواء أكانت مرافق أو خدمات أو أنشطة بقابليتها للخصخصة الا انها تخضع لمجموعة من القيود والضوابط المسبقة واللاحقة والتي لا تصح تلك الخصخصة الا بها, نظرا لطبيعتها أو نوعيتها الحيوية أو الاحتكارية. وليس من السهل تعداد هذه المرافق أو الأنشطة الا انه من الممكن وضع عدد من المعايير الواضحة المحددة للطبيعة التي تتصف بها تلك المرافق أو الأنشطة حتى يتيسر اعمال تلك المعايير أو تطبيقها على كل مرفق يمكن أن يندرج في نطاقها, وقد أحسن المشرع الكويتي صنعا وذلك للخصخصة أو التي تتم خصخصتها بضوابط وتقرر المادتان (,3 4) منه في هذا الشأن ما يلي: المادة 3: (يجوز أن تنقل من القطاع العام إلى القطاع الخاص ملكية أو ادارة المشروعات العامة كليا أو جزئيا وذلك بالكيفية وبالحدود التي يبينها القانون مع مراعاة ما يلي: أ - عدم منح أي ميزات للقطاع الخاص تتعارض مع احكام القوانين واللوائح المعمول بها. ب - كفالة تحقيق المنافسة في جميع الأنشطة التي تكون المنافسة فيها مجدية. المادة 1 (لا يجوز خصخصة المشروعات العامة المتعلقة بقطاع انتاج النفط) . المرافق القابلة للخصخصة بصفة مطلقة وبشروط عادية: أما الطائفة الثالثة من الخدمات أو المرافق والانشطة فانها تعتبر في رأينا قابلة للخصخصة على نحو مطلق, وان كان لا يمكن تحديد هذه الطائفة تحديدا دقيقا الا انها تشمل في نطاقها كل ما لا يدخل في الطائفتين السابقتين. والخصخصة حينما يرد على هذه الطائفة من المرافق والخدمات فانه يكون أكثر يسرا وربما نجاحا وبالتأكيد أقل قيودا وضوابط من غيرها من المشروعات الأخرى. ومن أبرز أمثلة هذه المشروعات الأنشطة ذات الصفة التجارية التي تمارسها الدولة سواء كانت صناعية أم انتاجية أم خدمية, وكذلك خدمات النقل والاعلام والصرف الصحي وغيرها. وقد قصدنا من ان هذه مشروعات قابلة للخصخصة على نحو مطلق هو كونها بطبيعتها وبأنواعها مما يقبل أن يكون محلا للخصخصة ولا نقصد من ذلك عدم خضوعها لضوابط أو قيود إذ ان عملية التنظيم القانوني والاداري والتنفيذي لعملية الخصخصة أمر لا مفر منه ولا بد من الصيرورة اليه لضمان نجاح عمليات نقل وادارة المشروعات العامة من القطاع العام إلى القطاع الخاص بأفضل وأسرع الآليات وبأبسط وأوضح القواعد والاجراءات, بما يحقق الاهداف المرجوة من ذلك, وذلك كله في ظل تناغم وتجاوب النظام القانوني القائم في الدولة بالاستعانة بأدواته واجراءاته. وعليه فان ما يقبل الخصخصة وبشكل واسع ودون قيود كثيرة أو معقدة مما يدخل هذه الطائفة يعد كبيرا ويشمل ما لا يمكن حصره من المرافق والانشطة والخدمات التي تتولاها الدولة اليوم. الرقابة باقية وتحدث د. المقاطع عن أهمية رقابة الدولة على المشروعات المخصخصة مؤكدا ان الخصخصة لا تعني غياب رقابة الدولة أو اختفائها. وأضاف انه لا تعتبر عملية الخصخصة للمشروعات العامة نهاية المطاف في الدور الذي تتولاه الدولة في شأن تلك المشروعات, كما يخطر في ذهن البعض, ذلك ان الدولة تعتبر طرفا أساسيا ومستمرا دائما في عمليات الخصخصة نظرا لما تضطلع به مهام متفاوتة في التمهيد لعمليات الخصخصة وفي الاسهام باجراءات نقل الملكية أو الادارة أو الاشراف عليها أو في المرحلة اللاحقة للخصخصة بما تشتمل عليه من رقابة وتوجيه وتعقيب بل وتدخل في مواجهة المشروعات المخصخصة. ويعد الدور اللاحق على الخصخصة والخاص بممارسة الدولة لسلطاتها الرقابية والتوجيهية والتعقيبية على المشروعات المخصخصة لضمان سلامة وتوازن وعدالة سير المرافق أو الخدمات أو الانشطة التي شملها الخصخصة من أكثر الادوار الحيوية التي لابد وان يؤكد عليها ويتم بيان طبيعتها وحدودها حتى يعرف المستثمرون نوع العلاقة التي ستربطهم بالدولة بعد ايلولة المشروعات العامة إليهم (33), كما انه من الضروري الوقوف عند هذا الدور الرقابي للدولة للتعرف عليه عن كثب وتبين الاعتبارات التي تفرضه والاطر التي تحكمه. لكنه في الوقت ذاته أكد ان رقابة الدولة على المشروعات المخصخصة ليست رقابة مطلقة ولا هي مفهوم عائم أو مطاط, وانما مفهوم محدد تحكمه أطر وأسس ومحددات وذلك لضمان فكرة ومبدأ التوازن بين حق الدولة في الرقابة وحقوق المستثمر صاحب المشروع, وعليه فيمكننا تلخيص هذه المبادئ بما يلي: 1 - المشروعية في الرقابة. 2 - العدالة في أعمال الرقابة. 3 - حماية الاقتصاد الوطني ودعم المستثمر الوطني. 4 - حماية العمال والأطراف الضعيفة. وفي هذا الصدد يذكر انه لابد من حماية الاطراف الضعيفة من خلال وضع شروط من أجل حماية المستهلكين من سوء تقديم الخدمات أو المغالاة أو أسعار السلع الضرورية حال انتقالها للقطاع الخاص. وقد عني مشروع قانون الخصخصة المنظور أمام مجلس الشعب الكويتي في هذا الموضوع حيث نظمه في المواد 3 فقرة ج والتي يجري نصها بما يلي: (حماية مصالح المستهلك من حيث الاسعار وجودة السلع أو الخدمات في المجالات التي يصعب التنافس فيها وذلك من خلال لجان أو أجهزة رقابية حكومية يتم تشكيلها وفق قرارات تصدر عن مجلس الوزراء) (41). وتتمثل رقابة الدولة من حيث طبيعتها أو اشكالها بالأمور الآتية: 1 - التشريع باعتباره أداة رقابة الدولة. 2 - الرقابة السياسية والسيادية للدولة. 3 - الرقابة الادارية للدولة على المشروع المخصخص. 4 - الاحتكار والالتزام مظاهر لرقابة الدولة. 5 - رقابة الدولة بواسطة الأسهم الذهبية. 6 - انشاء هيئة رقابة الخصخصة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات