أزمة الموز تعيد مكاسب مافيا المخدرات

التهديدات التي أطلقتها أمريكا الجنوبية باغراق العالم بمنتجاتها من المخدرات حال عدم التوصل إلى حل مرض لها في الخلاف القائم بين أمريكا والاتحاد الأوروبي حول تصدير الموز لأوروبا , قد فجر المخاوف الأوروبية من نجاح الضغوط الأمريكية لاتخاذ اجراءات من شأنها معادلة تعاملات الاتحاد الأوروبي مع الموز القادم من أمريكا الجنوبية وجزر البحر الكاريبي أسوة بالموز القادم من أمريكا, الأمر الذي يهدد الجهود الأوروبية الأمريكية المشتركة التي بذلت خلال الأعوام الأخيرة لتحجيم انتاج المخدرات من جزر بحر الكاريبي وأمريكا الجنوبية, والتي توجت في عام 97 بعقد اتفاق مشترك بين دول الكاريبي وأمريكا للحد من انتاج المخدرات, وهو الاتفاق الذي بدأت بعده دول الاتحاد الأوروبي عقب عقد هذه الاتفاقية تنفيذ خطة سبق ان وضعتها عام 96 لمحاربة تجارة المخدرات وتهريبها داخل دولها, مضحية في ذلك بمكاسب بلغت مليارات الدولارات كانت تحققها بعض دول الاتحاد الأوروبي خاصة هولندا عبر تجارة المخدرات بجزر بحر الكاريبي الواقعة تحت سيطرتها ودخولها إلى الدول الأوروبية, وتفجر الخلاف الأوروبي الأمريكي الآن حول استيراد الموز والضرائب المفروضة عليه, يعيد من جديد لمافيا المخدرات في الكاريبي أحلام الثراء والعودة للهيمنة على الأسواق الأوروبية, وكذلك الأمريكية متذرعة بنتائج الخلاف سابق الذكر, وعودة مكاسب مافيا المخدرات تتوافق مع هوى التوجهات الهولندية, حيث كانت هولندا الرابح الأكبر من تجارة مخدرات الكاريبي, سواء بالوساطة أو العمولات, أو بالاتجار المباشر, والذي تشير بعض المعلومات السرية ان عددا من كبار رجال الدولة في هولندا ضالعون مع مافيا المخدرات ولهم ملايين الدولارات من الأموال القذرة في بنوك خارجية, وبهذا ستكون هولندا هي أول من يستعيد مكاسبه الماضية حال تفاقم أزمة الموز, وتطبيق الاتحاد الأوروبي لاجراءات من شأنها معاملة موز الكاريبي وأمريكا الجنوبية معاملة معادلة للموز الأمريكي. وتشير الحقائق ان بريطانيا وفرنسا لهما النصيب الأكبر في الهيمنة على منطقة الكاريبي المنتجة للمخدرات, والتي تصدر لأوروبا ما تحتاجه, وقد حظي قيام بريطانيا باعداد خطة للقضاء على المخدرات القادمة من هذه الجزر بموافقة فرنسية, في حين لقي معارضة هولندية في البداية, والتي وافقت تحت الضغوط الأوروبية فيما بعد على مضض في اجتماع مدريد بنهايات عام 96 على الخطة التي وضعها (جون ميجور) رئيس وزراء بريطانيا السابق, والرئيس الفرنسي (جاك شيراك) , وقد حاولت هولندا من الواجهة السياسية ــ تمشيا مع رغبة الاتحاد الأوروبي ــ أن تثبت حسن نواياها تجاه الخطة الأوروبية بأن أرسلت في ذلك الحين عددا من الطائرات وفرقاطة عسكرية مع فرقة خاصة إلى منطقة جزر الانتيل للعمل جنبا مع القوات الأمريكية, التي كانت قد بدأت بالفعل عمليات التطهير للجزر من المخدرات, غير ان هولندا عادت بعد ذلك للتنصل من التزاماتها السابقة تجاه حرب المخدرات, بأن أعلن رئيس وزرائها (فيم كوك) ان حملات المكافحة تتطلب من هولندا مليارات الدولارات التي لا قبل للحكومة الهولندية الوفاء بها, وانه على انجلترا وفرنسا تقديم المساعدات في هذا الشأن, غير ان كلا من البلدين كانتا تواجهان ظروفا اقتصادية صعبة بسبب الاتفاقات وسياسة التقشف المفروضة على الموازنات الحكومية, والتي تطلبتها مرحلة الانتقال إلى الاقتصاد الأوروبي الموحد وتطبيق العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) , ومن هنا وجدت هولندا المبررات والذرائع للعدول عما سبق أن قدمته من وعود, وأعلنت صراحة انه على أوروبا أن تتقبل سياستها ــ سياسة الخطوة خطوة ــ في مكافحة المخدرات والادمان, بينما في الجانب الآخر كانت أمريكا تبذل جهودها للحد من انتاج المخدرات بالكاريبي. وفي هذه الأثناء كانت المفاوضات السرية تجري بين هولندا ومافيا المخدرات بجزر الكاريبي, في محاولة لايجاد صيغة تفاهم وتوفيق بين الرفض الأوروبي لاجتياح المخدرات لأراضيها, وبين العجز الهولندي المؤقت في ايجاد أسواق جديدة لتوزيع هذه المخدرات, خاصة وان مافيا المخدرات بهذه الجزر لهم من القوة والتأثير الكبير, فهم الذين يسيطرون على السياسة والمنظمات السياسية بل ويمولونها, وهولندا لا تريد أن تخسر هيمنتها على هذه الجزر, فهذا يكلفها خسائر اقتصادية لا قبل لها بمواجهتها, بجانب ان المخدرات والتجارة فيها تشكل جانبا كبيرا من الدخل الرسمي لهولندا عن طريق الضرائب التي يتم تحصيلها من مقاهي بيع وترويج المخدرات الرسمية والمصرح بها, إذ تعد هولندا بلد سياحي أول في بيع تجارة المخدرات من خلال هذه المقاهي, والآن يتم بيع الماريجوانا رسميا في الصيدليات وداخل كبسولات طبية, ومسموح للأشخاص بحمل عشرة جرامات من الحشيش بقصد التعاطي الشخصي, وكل هذا التعامل الرسمي والمعترف به من قبل الحكومة يعود بالضرائب والفوائد على موازنة الدولة, ومن هذا المنطلق فإن الأزمة الأمريكية الأوروبية الحالية سيكون المستفيد الأول منها مافيا المخدرات, وبالتالي هولندا التي يمكنها أن تستعيد مكاسبها التي سبق وأن ضحت بها خضوعا للضغوط الأوروبية. هولندا ــ سعيد السبكي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات