رؤية: مرحلة جديدة لمجلس التعاون: بقلم - د. عبد الحميد الموافي

من المؤكد ان القمة التاسعة عشرة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت في أبوظبي تشكل قمة بالغة الأهمية سواء بما تمخضت عنه من نتائج أو بالصيغة التي اتخذتها جلستها الافتتاحية, فقمة أبوظبي كانت بحق قمة انفتاح مجلس التعاون الخليجي على الهيئات والمنظمات الاقليمية والدولية , صحيح ان لمجلس التعاون علاقات وثيقة مع مختلف المجتمعات الاقتصادية وكذلك مع الجامعة العربية والأمم المتحدة, وهي صلات تشير الى المستوى التنظيمي أو في مجالات تعاون محددة أو من أجل التوصل الى صيغة متوازنة للمصالح, ولكن قمة أبوظبي فتحت السبيل امام مرحلة جديدة من النشاط السياسي والديناميكية في حركة مجلس التعاون وذلك من خلال دعوة الاعضاء العاملين لكل من جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي والأمم المتحدة للمشاركة في الجلسة الافتتاحية للقمة, والمرجح ان ذلك أرسى سابقة من شأنها دعم العلاقات بين مجلس التعاون وتلك المنظمات على أرفع المستويات, كما ان مشاركة الرئيس نيلسون مانديلا كانت بمثابة تقدير خليجي واضح لثائر عالمي وتدعيم لعلاقات تنمو وتتسع على نحو مطرد بين دول المجلس جميعها وبين جنوب افريقيا في مجالات عدة. وفي الوقت الذي تشكل فيه قمة أبوظبي خروجا بمجلس التعاون من الاطار الخليجي الى الاطار العربي والاسلامي والدولي الواسع مما سيكون له أثره الايجابي في تنشيط المجلس وزيادة دوره وإسهامه عبر التفاعل الأعمق مع مختلف القضايا, فإن ما تضمنه البيان الختامي للقمة التاسعة عشرة يشكل كذلك بداية لمرحلة جديدة في مسيرة مجلس التعاون وفي حركته من أجل تحقيق الأهداف المشتركة للدول الأعضاء والتجاوب على نحو أكبر مع طموحات وآمال شعوبها. وبغض النظر عن أن أزمة انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية قد فرضت نفسها إلى جانب ما أظهرته دول الاتحاد الأوروبي من مواقف غير ايجابية حيال دول المجلس أو بعضها خاصة بالنسبة لبعض المنتجات التي تعرضت لاجراءات حمائية ضدها من جانب الاتحاد الاوروبي, فإنه ليس من المبالغة في شيء القول بأن قمة أبوظبي كانت قمة نضوج العمل الخليجي المشترك والتي شكلت السنوات السبع عشرة الماضية قاعة راسخة ورافدا أساسيا لها ومن ثم كان الاهتمام بقضايا التنسيق والعمل الخليجي المشترك بارزا وواضحا وله النصيب الأكبر في البيان الختامي, ومن بين جوانب عديدة تؤكد الأهمية الكبيرة لقمة أبوظبي ان قادة دول المجلس اعطوا دفعة لتوحيد التعرفة الجمركية بين دول المجلس والتي تمثل خطوة ضرورية للسير نحو انشاء السوق الخليجية المشتركة من ناحية والقدرة على التعامل بفاعلية مع الاتحاد الأوروبي من ناحية ثانية كما ان التعرفة الجمركية الموحدة من شأنها أن تسهل على نحو أكبر عملية انتقال السلع ذات المنشأ الوطني بين دول المجلس جميعها. وبالنسبة للنفط فإن تأكيد القمة على أهمية وضرورة تنسيق السياسات بين دول المجلس في هذا المجال لمواجهة تحدي انخفاض الأسعار من شأنه أن يعطي المزيد من الأهمية والثقل للجنة التعاون البترولي بين دول المجلس, كما انه يجعل من الدول الست قوة ذات وزن في العمل لتحقيق استعادة التوازن في سوق النفط سواء بفضل ثقلها الانتاجي أو نتيجة لقدرتها على كسب التأييد لمواقفها, وليس من المبالغة في شيء القول بأن هذا الموقف الواضح من الأزمة النفطية ينتقل بالتنسيق بين الدول الست الى مرحلة أعلى وأكثر اتساعا وفاعلية بغض النظر عن انتمائها إلى الأوبك من عدمه. وإلى جانب اقرار الاستراتيجيتين الخاصتين بالسكان وبالتنمية الشاملة, فإن التأكيد على تسريع التنمية الصناعية في دول المجلس وعلى أساس تكاملي والعمل على زيادة نسبة العمالة الوطنية في المجال الصناعي ودعم البحوث التطبيقية تنتقل باهتمامات القمة وبشكل أكبر الى المجالات العملية والأكثر جدوى لحياة شعوب المجلس الآن وفي المستقبل وعلى نحو يثري العمل المشترك بالنسبة لقضايا توسع وتعمق المصالح المشتركة وتسهم في تحقيق مزيد من الرفاهية لابنائه وتحويله قوة اقتصادية تنمو وتزداد قدرتها على الدفاع عن مصالحها مع القوى والأطراف الدولية الأخرى, وإذا كانت الجوانب السياسية قد اتسمت بعدم حدوث تغيير كبير عليها بحكم وضوح وثبات مواقف دول المجلس حيالها فإن تفعيل الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لمجلسي التعاون من شأنه أن يعطي ديناميكية أكبر لاداء المجلس في المرحلة المقبلة ولعل ذلك كله وغيره هو ما جعل الكثيرين من أبناء دول مجلس التعاون يعلقون الكثير من الآمال على القمة, ولم يكن غريبا ان يتجاوب قادة المجلس مع تلك الآمال والطموحات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات