تقرير نفطي: هل فشل مؤتمر أوبك الأخير

قفزت مع انتهاء المؤتمر الوزارى لمنظمة الدول المصدرة للبترول (اوبك) فى 26 نوفمبر الماضى بفيينا اسئلة كثيرة حول مستقبل هذه المنظمة النفطية ودار حديث واسع عن نهايتها وغرقها فى خضم الخلافات وعدم تمكنها من اتخاذ قرارات فاعلة فى السوق النفطية . هذه الاسئلة قفزت الى الواقع بعد ان ارجأت (اوبك) فى اجتماعها الاخير اتخاذ قرار بشأن تمديد اتفاقية يونيو الماضى مدة ستة اشهر اخرى حتى نهاية 1999 او اتخاذ قرار باجراء تخفيض اضافى فى انتاج الدول الاعضاء لدعم اسعار النفط التى انخفضت بمعدلات كبيرة فى الاشهر الاخيرة. ان النهاية التى انتهى اليها الوزراء فى مؤتمر تعقده المنظمة فى مارس المقبل فى ظاهره الفشل ولكنه يحمل فى طياته الكثير من العوامل التى تثير الواقعية فى التعامل مع الظروف الداخلية والخارجية التى تشكل اساسا لاتخاذ قرارات سليمة وجماعية تمكن اوبك من اجتياز الازمة الراهنة فى السوق النفطية العالمية فأى قرار جديد تتخذه المنظمة سواء لجهة تمديد اتفاقية يونيو الماضى حتى نهاية 1999 والتى تقول بتخفيض انتاج الدول الاعضاء بمقدار 6ر2 مليون برميل من انتاج فبراير 1998 او اجراء مزيد من التخفيضات الانتاجية يجب ان يستند الى ارضية صلبة وقوية تتشكل اساسا فى التزام جميع الدول الاعضاء باتفاقية يونيو الماضى. واذا كانت معظم دول (اوبك) قد بدأت التزاما قويا بالاتفاقية السابقة جعل نسبة الالتزام الجماعى تصل الى 93 فى المائة تقريبا فان ذلك لايلغى ان دولا بعينها لم تلتزم بشكل كامل بالاتفاقية. ولذلك يبدو منطقيا انه لا يمكن البناء على الاتفاقية الماضية ولابد من اعطاء فرصة جديدة لاختبار مدى تنفيذ هذه الاتفاقية واعطاء فسحة من الوقت ايضا للدول التى لم تلتزم لتصحيح اوضاعها وهذا امر منطقى ويمكن التعامل معه للوصول الى تنفيذ كامل للاتفاقية اذا توفرت النوايا الصادقة من جانب جميع الدول الاعضاء. ولذلك لم يكن من الممكن ان تقفز (اوبك) عن عدم التزام بعض دول (اوبك) باتفاقية فيينا فى يونيو الماضى من اتجاه الوصول الى اتفاقية جديدة تقوم على اسس غير سليمة .. ومن هنا يشكل القرار بتأجيل اتخاذ القرار الى مارس القادم خطوة عاقلة وايجابية لعدة عوامل. واول هذه العوامل هو ان (اوبك) ماضية فى تنفيذ اتفاقية يونيو الماضى وان لم يكن بنسبة 100 فى المئة. وقد اتاح تنفيذ هذه الاتفاقية منذ اول يوليو الماضى سحب حوالى مليونى برميل من النفط يوميا وسيستمر ذلك حتى نهاية يونيو 1999. كما ان تأجيل اتخاذ قرار جديد فى مؤتمر (اوبك) السابق فى وقت تشهد فيه السوق النفطية زيادة فى الطلب بسبب برودة الطقس فى شمال الكرة الارضية والنمو ولو بشكل ضئيل فى الاقتصاد العالمى. ويقدر خبراء صناعة النفط العالمية والوكالات الدولية المتخصصة ارتفاع معدل الطلب العالمى على النفط فى عام 1999 بمعدل يتراوح بين مليون ومليون ونصف المليون برميل يوميا يمكن للدول المنتجة من خارج (اوبك) ان تغطى حوالى 500 الف برميل من هذه الزيادة نتيجة ارتفاع معدلات انتاجها من النفط الخام يوميا فيما سيتعين على السوق النفطية تأمين الزيادة من احتياجاتها النفطية من دول اوبك حيث يتوقع ان يرتفع الطلب العالمى على النفط فى عام 1999 الى حوالى 5ر75 مليون برميل يوميا. ومع ارتفاع الطلب العالمى على النفط بشكل عام خلال عام 1999 سيكون الطلب على اشده فى الربع اول من العام القادم عندما يصل الى اكثر من 76 مليون برميل يوميا الامر الذى يجعل من قرار (اوبك) عدم اتخاذ قرار بشأن تمديد اتفاق يونيو الماضى او اجراء تخفيضات جديدة فى الانتاج امرا مقبولا فى هذه الفترة بالذات. ان السوق البترولية التى تدرك هذه المعطيات وتتعامل معها بواقعية جاءت ردة فعلها تجاه قرار (اوبك) مخالفة لكل التوقعات ففى حين تنبأ الخبراء فى صناعة النفط ان الاسعار ستتجه عقب اجتماع (اوبك) نحو مزيد من الانخفاض نرى ان الاسعار سجلت ارتفاعا بسيطا وسجلت سلة (اوبك) فى هذا الاتجاه ارتفاعا انتشلها من المستوى الذى وصلته دون حاجز 10 دولارات للبرميل. وبالطبع ان هذا المستوى فى الاسعار غير مقبول فى الحالتين ولكن المهم هو اتجاه الاسعار نحو الصعود والتوقف عن التدهور. فقد خسرت اسعار النفط خلال الاشهر الاخيرة حوالى 35 فى المئة من قيمتها وخسرت دول اوبك على مدى عام 1998 حوالى 60 مليار دولار ولابد من وقف مسلسل هبوط الاسعار ولكن ذلك لايمكن ان يتم باتخاذ قرارات لا تلقى الاحترام والالتزام الكامل من جانب بعض الدول التى تساهم فى صنعها واتخاذها. ولكن التحسن النسبى فى الاسعار او تماسكها بفعل عوامل السوق الراهنة فى السوق البترولية يجب ان لايغرى بعض دول اوبك على الاستمرار فى تجاهلها لقرار تخفيض الانتاج فى يونيو الماضى والعودة الى خلط الاوراق من جديد حيث ان السوق لن ترحم الجميع. فأمام بعض دول (اوبك) فترة جديدة تمتد لحوالى اربعة اشهر يمكنها خلالها اعادة حساباتها والالتزام الكامل والمطلق بقرارات المنظمة خاصة بتحديد مستويات الانتاج بموجب اتفاق يونيو الاخير بموجب القواعد وفى اطار الارقام والمعدلات الانتاجية التى يعرفها الجميع داخل اوبك وخارجها. كما ان فترة الاربعة شهور القادمة ستكون فرصة مناسبة لدول اخرى فى (اوبك) لتأكيد التزامها باتفاقية يونيو بغض النظر عن الحكومة القائمة فيها فالتزام اى حكومة بقرارات (اوبك) او قرارات اية منظمة اخرى ينسحب على الحكومة التى تليها ولايعفيها من تنفيذ الاتفاقيات التى تتوصل اليها الحكومة التى سبقتها. ويتعين فى هذا الصدد ايضا ان يكون واضحا امام دول (اوبك) والدول غير الملتزمة بمعدلات الانتاج المقررة فى اتفاقية يونيو الماضى ان مسألة الانتاج العراقى للنفط الخام ووصول صادراتها الى الاسواق العالمية يمكن ان تشهد تطورات مهمة خلال الشهور الاربعة القادمة فى حالة حدوث تغيير فى معادلة النفط مقابل الغذاء والمتفق عليها بين العراق والامم المتحدة. وبشكل اخر يمكن القول ان هناك الكثير من العوامل داخل اوبك وخارجها التى جعلت من عدم اتخاذ مؤتمر (اوبك) قرارا بشأن تمديد اتفاقية يونيو الماضى او اتخاذ قرار باجراء تخفيضات جديدة امرا مقبولا. ولكن استمرار هذا الوضع بعد نهاية مارس المقبل لن يكون مقبولا فاذا استمر الوضع على ماهو عليه فان اسعار النفط ربما تشهد انخفاضا كبيرا لايمكن لدول (اوبك) تحمله مطلقا علاوة على ان الدول المنتجة الاخرى من خارج (اوبك) ربما تكون اكثر تضررا من انخفاض الاسعار الى مستويات متدنية. فالمؤشرات والدراسات تقول بان معدل الطلب العالمى على النفط خلال الربعين الثانى والثالث من العام القادم ستكون عند ادنى المستويات على مدى العام وستصل الى مايقارب 5ر73 مليون برميل يوميا الامر الذى يوفر كميات كبيرة من النفط الخام تزيد عن حاجة السوق ستذهب فى معظمها الى المخزونات الاستراتيجية التى ستشكل عامل ضغط اضافى على اسعار النفط. ومن خلال هذه الرؤية يبدو واضحا ضرورة التزام جميع دول (اوبك) بمعدلاتها الانتاجية فى اطار اتفاقية يونيو الماضى حتى يكون بامكان (اوبك) فى اجتماع مارس القادم اتخاذ قرارات قوية وفاعلة تجنب اسعار النفط مزيدا من التدهور الذى سيصيب عائدات جميع الدول وموازناتها بضرر فادح. كما يتعين على الدول المنتجة الاخرى من خارج (اوبك) ابداء قدر اكبر من التعاون مع المنظمة ليتحقق الاستقرار فى اسواق النفط العالمية لان استقرار الاسواق ودعم الاسعار سيكون فى صالح جميع المنتجين الذين سيكون بمقدورهم بعد ذلك توفير امدادات نفطية كافية للسوق وضمان استمرارية النمو فى الاقتصاد العالمى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات