آفاق اقتصادية:(ويم ديزينبرج)وحل المعادلات الصعبة:بقلم-د. محمد ابراهيم الرميثي

لا شك في ان دول أوروبا الغربية الداخلة في التكتل الاقتصادي الاوروبي تربطها عوامل مشتركة تأتي على رأسها العوامل الاقتصادية, حيث ان طبيعة الاقتصادات الاوروبية متشابهة الى حد كبير من حيث الانتاج والتنظيم والادارة , لذا نجد ان مشكلاتها الاقتصادية متشابهة, كذلك فهي جميعها تواجه مشكلات البطالة والتضخم المزمنين منذ أمد بعيد والمتناميين في الوقت ذاته. وفي الوقت الحاضر نجد ان المشكلات الاقتصادية تتفاقم للأسباب الآتية: 1ــ انخفاض الحجم الموزون للطلب العالمي على السلع والمنتجات الاوروبية مقارنة بازدياد وتنامي الحجم الموزون للطاقة الانتاجية للمصانع الاوروبية من ناحية, ومقارنة بالحجم الموزون للطلب العالمي على سلع ومنتجات البلدان الأخرى غير الاوروبية. 2ــ أعطت الدول الاوروبية امتيازات انتاج للعديد من الشركات والمصانع في الدول النامية والدول حديثة العهد بالنمو بهدف غزو أسواق تلك الدول بطرق غير مباشرة والعمل على تنمية النزعة الاستهلاكية لتلك الدول, غير ان تلك المصانع والشركات رجعت من جديد تبحث عن الأسواق الاوروبية لتسويق منتجاتها, وذلك بسبب تنامي وازدياد الطاقات الانتاجية لتلك الصناعات, مما أخذ يزيد الطين بلة في الاسواق الاوروبية فيرفع العرض على حساب تناقص الطلب. 3ــ تدهور أسواق جنوب شرق آسيا, مما أثر سلبيا على الطلب الكلي على السلع والخدمات الاوروبية المصدرة الى تلك الدول وبشكل خاص السلع الانتاجية (أي السلع الرأسمالية). 4ـ الكساد الذي يسود سوق النفط حاليا له آثار ايجابية على الصناعات الأوروبية حيث تحصل على الطاقة بأسعار منخفضة, غير ان انخفاض الطلب العالمي الكلي الموزون على المنتجات والسلع لا يسمح بالاستفادة القصوى من انخفاض أسعار النفط الا باللجوء الى تخزينه. أما آثاره السلبية على الصناعات الأوروبية فتتمثل في كون ان انخفاض أسعار النفط الخام يهبط من رغبة شركات النفط الاوروبية في استثمارات جديدة في قطاع النفط. 5ــ منافسة المصانع الآسيوية للمصانع الأوروبية في عقر دارها وذلك بسبب ميل المستهلك الأوروبي الى السلع الآسيوية. وهكذا نجد ان المشكلة الرئيسية التي تواجه الاقتصادات الأوروبية اليوم هي مشكلة ايجاد الطلب الكلي الفعال وليس مشكلة ايجاد العرض الكلي, حيث ان المستويات التقنية المتقدمة التي وصلت اليها الصناعات اليوم ترفع من طاقتها الانتاجية بشكل كبير جدا. أما ايجاد الطلب وفتح أسواق جديدة فهو المشكلة الحقيقية التي تتطلب اجادة فن التسويق وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الأوروبية. والحقيقة ان الساسة في أوروبا يهدفون الى تحقيق عدة أهداف وهي تتعارض احيانا مع ارادة الاقتصاديين, وأهم تلك الأهداف الآتي: 1ــ إحداث نوع من التوازن القطبي مع الولايات المتحدة, وتضييق الفرصة عليها كقطب واحد في العالم يجعل جميع الدول تدور في فلكه وتستجيب لارادته ورغبته. 2ــ تخفيض معدلات البطالة عن طريق زيادة الانفاق وخلق استثمارات جديدة, وذلك لن يأتي الا بتخفيض سعر الفائدة على العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) , أي ان محافظ المصرف المركزي الاوروبي (ديزينبرج) يقوم باجراء خفض سعر الفائدة على اليورو والذي يتبعه خفض في جميع أنحاء الدول الاوروبية. وهذه في الحقيقة هي ارادة الساسة, وبالذات الدول ذات الثقل الكبير في الاتحاد, وعلى رأس تلك الدول ألمانيا وفرنسا وايطاليا, التي وصل فيها اليساريون الى السلطة. وهذه الارادة تتعارض تماما مع السياسات النقدية التي يهدف اليها (ديزينبرج) محافظ المصرف المركزي الاوروبي والتي هدف الى تثبيت الثقة والمصداقية بالعملة الأوروبية الموحدة (اليورو) ويأتي ذلك بتخفيض معدلات الانفاق والذي يصحبه انخفاض في معدلات التضخم والمحافظة على قيمة اليورو عند مستويات عالية, أي المحافظة على القيمة الحقيقية والقوة الشرائية لليورو, بيد ان هذه السياسات النقدية لن تحل مشكلة البطالة, بل ستعمل على تفاقمها فيما لو تم تطبيقها. ويبدو ان بريطانيا من الدول التي تريد اتباع سياسات نقدية تهدف الى مقاومة التضخم وخفض معدلات البطالة في آن واحد, وهي معادلة غاية في الصعوبة في الاقتصادات المعاصرة. 3ــ هناك توجه نحو اصدار سندات من البنك المركزي الأوروبي بما يعني بحد ذاته الميل نحو سحب السيولة من الاسواق المالية والنقدية وتخفيض معدلات التضخم على حساب ضيق فرص العمل وتنامي معدلات البطالة, فهل يتمكن (ديزينبرج) محافظ المصرف المركزي الاوروبي من ايجاد الحلول المناسبة لتلك المعادلات الصعبة وارضاء كافة دول أوروبا الغربية الداخلة في الوحدة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات