ماذا بعد مؤتمر أوبك؟ بقلم - د. نقولا سركيس

في مناخ عام من التشاؤم وسط الدول المصدرة للنفط, جرى اجتماع أوبك الأخير, ذلك ان ارتفاع معدلات المخزون في الدول الصناعية إلى مستويات قياسية لم يسبق لها مثيل واستمرار الوفرة في الأسواق ومواصلة إعادة النظرفي التوقعات المتعلقة بالطلب خلال العام ,1999 كل ذلك لابد من أن يفضي إلى الابقاء على الضغوط على الأسعار ومن ثم إلى تقليص هامش المناورة أمام أوبك لحد بعيد. وكانت الأسعار قد فقدت خلال شهر اكتوبر الماضي والنصف الأول من نوفمبر كل الزخم الذي استعادته في شهر سبتمبر, فمن متوسط سعر يومي 11.99 دولاراً أمريكيا للبرميل, قفزت الأسعار اليومية لنفط برنت إلى 13.44 دولارا للبرميل خلال شهر سبتمبر, ثم تراجعت مرة أخرى إلى 12 دولارا في العاشر من شهر نوفمبر, إلا انها ارتفعت إلى 12.11 دولارا في اليوم التالي, تجاوبا مع توترات منطقة الخليج, ومن جهتها انخفضت أسعار سلة نفوط أوبك من 12.91 دولارا للبرميل في شهر سبتمبر الى 11.80 دولارا الأسبوع الماضي. هذا الانهيار الأخير في الأسعار حدث على الرغم من وجود عدد من الأمور كان من الطبيعي أن تسهم في رفع الأسعار, أو على الأقل استقرار الأسواق, ومن بين تلك التطورات المعينة, التهديدات الأمريكية بتوجيه ضربة عسكرية للعراق وما صاحبها من مخاطر بوقف صادرات النفط العراقي, ثم الاضطرابات السياسية في نيجيريا التي أدت الى خفض 350 ألف برميل في اليوم من انتاج البلاد, وبالتالي إلى انخفاض انتاج المنظمة الى 26.98 مليون برميل في اليوم في شهر اكتوبر, أي أقل بنحو 1.52 مليون برميل في اليوم قياسا على الربع الأول من هذا العام. وإضافة الى تلك المستجدات, هناك ايضا التخفيضات في انتاج النفط في المكسيك والصين بسبب الكوارث الطبيعية, وايضا اشتعال الحرائق بمنصات بحر الشمال والقيود الجديدة على حرق الغاز المصاحب في كندا والولايات المتحدة. ولكنه ــ مرة أخرى ــ على الرغم من تلك العوامل, إلا ان الأسعار تراجعت كنتيجة حتمية لارتفاع الإمدادات فوق مستويات الاستهلاك وسيظل الوضع على ما هو عليه لفترة من الوقت, وقد بلغ متوسط تقديرات الفائض العام 1998 نحو 700 ألف برميل في اليوم, وقد يضيف السحب من المخزون وتجاوز الحصص المزيد من الضغوط على الأسعار خلال العام 1999. وكانت وكالة الطاقة الدولية قد أعادت النظر في تقديراتها الخاصة بالطلب على النفط خلال العام ,1999 وهي الآن تحددها بنحو 75.6 مليون برميل في اليوم, أي أقل من توقعاتها السابقة بنحو 400 ألف برميل في اليوم, ولايمكن استبعاد المزيد من إعادة النظر في التوقعات ولاسيما في ضوء آثار الأزمة المالية في آسيا والمشكلات الاقتصادية التي تجتاح أمريكا اللاتينية والارتفاع الهائل في معدلات النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة وأوروبا. وإذا افترضنا ان الطلب الفعلي كان قريبا من التوقعات الجديدة للوكالة أي 75.6 مليون برميل في اليوم, فإن ذلك يعني زيادة مقدارها 1.3 مليون برميل في اليوم قياساً على العام 1998, مقارنة بزيادات قدرها 600 ألف برميل في اليوم العام ,1998 ومليوني برميل في اليوم العام ,1997 وسيتم ضخ الزيادة المتوقعة في الطلب العالمي العام المقبل من دول غير أعضاء في منظمة الأوبك, وبحسب آخر تقرير شهري لوكالة الطاقة الدولية نشر في التاسع من شهر نوفمبر, فإن إمدادات النفط من خارج المنظمة سترتفع بنحو 900 ألف برميل في اليوم إلى 45.6 مليون برميل في اليوم خلال العام المقبل, وعلى هذا الأساس سيكون الطلب على خام منظمة الأوبك في حدود 27 مليون برميل في اليوم العام ,1999 أي ما يعادل انتاجها الفعلي خلال شهر اكتوبر الماضي. ويمكن والحال هكذا, إعادة النظر في هذه التوقعات في ضوء وجود بعض الشكوك, وأول هذه الشكوك يتعلق بنتائج الأزمة العراقية واحتمالات اتفاق العراق والأمم المتحدة على برنامج النفط مقابل الغذاء, والذي قد لايتم تجديده أو قد يتعثر مؤقتا, وإن حدث ذلك فإن السوق ستفقد نحو 1.8 مليون برميل في اليوم من النفط الخام العراقي, وستنطلق الأسعار إلى الأعلى. ولكن وفي تلك الحالة فمن غير المؤكد أن تستمر دول أوبك في الالتزام بتعهداتها بخفض الانتاج بنسبة 80 إلى 85% التي تحققت في الربع الثالث. لأن ارتفاع الأسعار أو تحسنها يغري هذه الدول باستغلال ذلك بغرض زيادة مبيعاتها بقدر ما يمكنها لمواجهة العجوزات المتنامية, ولتصل طاقتها الانتاجية غير المستخرجة أربعة ملايين برميل في اليوم خلال العام 1999. وهناك بعض العوامل الأخرى التي تؤثر على الطلب مثل: المعدلات الفعلية للنمو الاقتصادي في الدول المستوردة الرئيسة والظروف المناخية خلال فصل الشتاء في نصف الكرة الأرضية الشمالي وزيادة الطلب على الغاز الطبيعي, والإمدادات أيضا مثل: الاضطرابات السياسية أو الجوانب الفنية في الدول المصدرة. وسوف يكون لمستويات التخزين العالية وتجاوز الحصص المقررة أثر بالغ على الأسعار خلال الأشهر المقبلة, ففي نهاية شهر سبتمبر الماضي سجل المخزون الصناعي لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية رقما قياسيا حين بلغ 2.81 مليار برميل, بزيادة 172 مليون برميل عن العام الماضي, و253 مليون برميل عن الفترة نفسها من العام ,1996 وارتفع المخزون بمعدل 472.23 ألف برميل في اليوم خلال الفترة من أكتوبر 1997 وحتى سبتمبر 1998, وسيكون من السهل السحب من هذا المخزون بوتائر أقل سرعة من وتائر سرعة انخفاض الأسعار, أو استنادا على بعض العوامل الأخرى, لمنع أي ارتفاع في الأسعار. أما فيما يتصل بتجاوز الحصص المقررة, أو ما يعرف باسم (البراميل المفقودة) والتي قدرتها وكالة الطاقة الدولية بنحو 300 مليون برميل خلال النصف الثاني من العام ,1998 فإنها لغز يؤثر كثيرا على أسعار النفط, وقد قدمت الوكالة في تقريرها لشهر نوفمبر توضيحاً مبتورا لهذا اللغز المحير حين أوضحت أن مخزون دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ارتفع ــ ويا للدهشة! ــ إلى 31 مليون برميل في شهر اغسطس الماضي, وألمحت إلى إمكان أن يكون هذا النفط ضمن البراميل المفقودة, ولكن ماذا عن البراميل الأخرى التي لاتزال مفقودة وهي 270 مليون برميل؟ وهل يمكن حقيقة العثور عليها, كلها أو جزء منها, داخل الناقلات التي تجوب البحار, كما يعتقد البعض؟ أم هي مجرد قصة خيالية, كما يدعي البعض, أي أنها مجرد نتيجة لسوء تقدير للطلب العالمي أو مبالغة في تقدير الإمدادات؟ وربما تكون الحقيقة أقرب الى الافتراض الأول, ولكن حتى ولو كان هناك 200 مليون من البراميل المفقودة حقيقة, فإن هذا لايزال رقما كبيرا ما دام أنه يشكل 1.1 مليون برميل في اليوم من المخزون البحري خلال الفترة التي نحن بصددها, وعندما تدخل هذه البراميل الهائمة الى الأسواق, فإن ذلك سيكون له أثر بالغ لن تستطيع الدول المصدرة تحمله. وتتصل بهذه المشكلة وبتوقعات وكالة الطاقة الدولية حول العرض والطلب, مجموعة من الأسئلة التي أثيرت في أوقات سابقة حول تقديرات الوكالة, ولايوجد أي سبب على الإطلاق للحديث عن التلاعب بالأرقام, ولكن الحقيقة التي ستبقى هي ضرورة تناول الإحصاءات الخاصة بصناعة النفط (الاحتياطيات والإنتاج والاستهلاك والمخزون) مهما كانت مصادرها, بكثير من العناية والحذر, وقد وصل الأمر بسناتور أمريكي إلى التعبير عن مخاوفه من الموقف, ومطالبة المكتب العام للمساءلة مراجعة توقعات الوكالة خلال الفترة ما بين 1997 و1998. ولا تضيف البراميل المفقودة لمنظمة أوبك إلا المزيد من المخاوف حول اتجاهات الأسعار خلال الأشهر المقبلة, ومما يزيد من تلك المخاوف, الزيادة المتوقعة في إنتاج الدول غير الأعضاء في المنظمة والصراع بين كبار الأعضاء لحماية أو زيادة حصصهم في السوق, وتشير كل هذه العوامل إلى أن العام المقبل سيكون عاما صعبا للمنظمة, في ظل استمرار فائض الإمدادات وتراجع الأسعار. رئيس تحرير (أراب أويل أند جاز)*

تعليقات

تعليقات