رؤية: صندوق النقد لا يخلو من الهموم: بقلم - ميشيل كامديسو

هناك شعور عام بالقلق تجاه الموقف الاقتصادي العالمي المتأزم. وهو ما أفرز تقويما من أطراف مختلفة لمسببات الأزمة وتأثيراتها على مناطق العالم وأرجائه. لقد قطعنا خطوات جيدة بالفعل تجاه تحديد ما هو مطلوب لتأسيس نظام اقتصادي عالمي أكثر متانة, ولمجابهة الأزمات التي يواجهها العالم . إنه من الواضح أن عالمنا يمر بمرحلة صعبة نتجت عن أزمة منتظمة, لكننا في الوقت نفسه مصممون على المحافظة على منظور ما, مع إدراكنا ان الاقتصاد (المعولم) قد أثمر فوائد عظيمة, ستتجلى أكثر وأكثر إذا ما نجحنا في التعامل على أسس سليمة مع الأزمة الراهنة, التي يمكن أن ننظر إليها بعد فترة على أنها مجرد كبوة أو لنقل نكسة. لقد كان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون محقا عندما شدد على ان الاقتصاد (المعولم) قد حسن حياة عدد يحصى بالمليارات من السكان بالدول المختلفة. ولا يعني هذا انه لا توجد أخطاء اكتشفناها في النظام الاقتصادي, هناك بالفعل عيوب لكن اجراءات سريعة وحاسمة يتم اتخاذها, وأخرى لازمة لاصلاح تلك الأخطاء ولمعالجة هذه العلل. لا مجال إذن لإدارة عقارب الساعة إلى الوراء. إن ما نراه من ردود أفعال دول عدة هو رغبة قوية في التلاحم والتماسك, بحثا عن وسائل أكثر فعالية تجعل من النظام الاقتصادي العالمي نظاما أكثر أمنا وأمانا. إن المناقشات التي شهدتها الساحات الاقتصادية في الفترة الأخيرة هدفت غالبيتها إلى استقاء بعض الدروس والعبر من التجربة التي يمر بها عالمنا. وكلنا يعرف أن برامج العمل تؤتي ثمارها فقط إذا ما أرادت الحكومات وأبدت رغبتها الحقيقية في انجاحها, ولا سيما من جانب حكومات الدول التي اكتوت بنار الأزمة أكثر من غيرها, وأقصد بذلك اندونيسيا وكوريا وتايلاند. إن هذه الدول بما تفعله الآن تثبت ان هناك طريقا للخروج من الأزمة, طريقا إلى مستقبل أفضل, مستقبل أكثر أمنا يبشر بنمو أعلى, مع التركيز على هدف توزيع أكثر عدلا للدخل. إن صندوق النقد من جانبه يحاول التركيز خلال هذه المرحلة على مضمون البرامج الاصلاحية وعلى تأثيراتها الاجتماعية والسياسية, وكذا على الجوانب الأخلاقية في العملية برمتها. إننا سنظل ننفق الوقت على دراسة أكثر تعمقا على النقاط السابقة في المرحلة الحاضرة والمستقبلة. ولقد أثبتت التجربة التي نمر بها ان هناك مخاطر جمة ومشكلات كثيرة مرتبطة بأسلوب (التنمية الموجهة) فالعلاقات في ظل هذا المنهج تكون قريبة للغاية ومتشابكة تماما بين البنوك والمؤسسات الاقتصادية والدولية. وفي هذا دليل على انه في ظل الاقتصاد المعولم, يمكن للعوامل المزعزعة أن تنشأ خارج نطاق الاقتصاد الكلي تماما, وتظل تتطور لبعض الوقت قبل أن يتم اكتشاف افرازاتها السلبية. إن هناك اتفاقا ــ كما أرى ــ على ان الأزمة العالمية تتطلب ردا عالميا. فهيكلة النظام تحتاج إلى تقوية دعائمها, لكن ليس من خلال التدخل المباشر, فكما أوضح البعض: (ما هو أكثر أهمية من معمار المنزل هو الأسلوب الذي يتعامل به قاطنوه مع بعضهم البعض, والطريقة التي يحلون بها مشكلاتهم وخلافاتهم) . هناك بالتأكيد مبادئ وأسس أثبتت جدواها خلال العقود الفائتة, وهي التي يجب أن تشتد وتيرتها ويقوى عودها في المرحلة الراهنة والأخرى المقبلة, وهي التعاون والديمقراطية والتصرف بأسلوب منتظم ومسؤول تجاه الآخرين. نحن نحتاج للبناء على هذا الأساس حتى يقوى هيكل النظام المالي العالمي, بعد ادخال ما يلزم من تعديلات عليه ليتواءم مع التحديات الجديدة. إنني أود التأكيد على العناصر الخمسة الرئيسية للبناء الجديد, وهي: الشفافية, النظام المالي السليم, المشاركة الفعالة للقطاع الخاص, التحرر المنتظم والتزام المعايير الدولية للممارسة الاقتصادية والمالية الجيدة. هذه هي عناصر الإدارة الجيدة. إننا في صندوق النقد الدولي ندرك تماما ان الأزمة لها تأثيراتها العميقة على حركة التنمية, كما كانت لها كلفتها الاجتماعية القاسية. إننا يمكننا الإسهام في تشكيل قاعدة متينة للتنمية في الدول منخفضة الدخل من خلال العمل مع المنظمات الاقليمية المعنية, وتقديم العون والمساعدة في مرحلة ما بعد انتهاء النزاعات والصراعات. وبالعودة إلى المخرج من الأزمة, فهناك اتفاق على أن المسؤولية مشتركة. وهناك كذلك دور منتظر لاقتصادات الدول الصناعية للقيام به حتى تعطي دفعة قوية لتحقيق النمو المستدام, مع التركيز على تشجيع اليابان على اتخاذ كل ما يلزم من اجراءات لتعزيز جهود الانتعاش الاقتصادي بينما تواصل اصلاح نظامها المالي. إن دول الأزمة والدول التي تكافح العدوى والبلدان النامية الأخرى كلها تبدي عزما وتصميما شديدين على الابقاء على سياساتها الاقتصادية الكلية وبرامجها الاصلاحية وادخال التحسينات اللازمة عليها كلما أمكن ذلك, وبالنسبة إلينا نحن في صندوق النقد, فإننا لن نألو جهدا في توفير الدعم لهذه الدول لتتحمل بدرجة أكبر الظروف الصعبة المحيطة. في الوقت نفسه, تنتظر هذه الدول من المؤسسات الأخرى في مجتمعنا الدولي ــ البنوك ومؤسسات الاقراض والمستثمرين والمقرضين الرسميين ــ دورا أكثر فاعلية في الإقراض وضخ رؤوس الأموال. وهناك بعض المؤسسات التي تدرك الحاجة إلى ابداء مزيد من المساندة والدعم لروسيا وهي تحاول التغلب على جوانب النقص والقصور في سياساتها الاقتصادية والمالية, لكن بشرط معاودة روسيا لبرنامج قوي الأسس للإصلاح. وبالقاء نظرة على المستقبل القريب, فإننا نجد مولودا جديدا يعد ميلاده حدثا تاريخيا, وكثيرون ينتظرون الدور الذي سيلعبه هذا المولود, وأعني به اليورو بالطبع, ويرجون تحقق ما سبق وأعلنه محافظ المصرف المركزي الألماني من أن اليورو سيكون إسهاما قويا من جانب أوروبا في تحقيق الاستقرار في الاقتصاد العالمي, ومن ثم اعطاء دفعة قوية لجهود الانتعاش الاقتصادي العالمي. إننا نرحب بهذا الهدف على المدى الطويل, ونرجو ألا تؤثر مخاطر الأزمة الراهنة على هذا الهدف. كما اننا لا يمكن أن نتجاهل الجهود التي تبذلها دول عدة لانتشال سكانها من الفقر المدقع إلى عالم من الفرص الأفضل, وإن لم يكن هذا لهم فليكن لأطفالهم, وهو ما نراه بصفة خاصة في القارة الافريقية التي لا يمكن لصندوق النقد الدولي أن يتخلى عن مساندتها في جهودها تلك. لكن هذا الدور يعيدنا إلى الحديث عن الحاجة لتعزيز مصادر الصندوق ودعمها. إنني على ثقة من اننا سنضع هذه المسألة خلف ظهورنا قريبا بعد الفراغ منها وزيادة حصص الدول الأعضاء. إننا نتفق على ضرورة تطبيق الصندوق لمعيار الشفافية ــ التي يحث الآخرين على تطبيقها ــ على نفسه, ولا بد لنا من تقويم سياساتنا وعملياتنا, ونحن نسعى جادين لإحداث مراقبة وتقويم خارجي لنشاطاتنا. وسنعمل بنشاط أكبر على توزيع بياناتنا ومستنداتنا على نطاق أوسع بين الدول الأعضاء, لا سيما تلك المستندات التي تتصل بمراقبة ما نقوم به. وتنفيذا لطلبات الأعضاء ومقترحاتهم فإن المجلس التنفيذي للصندوق سيقوم بمراجعة أدوار المكونات الرئيسية للنظام النقدي العالمي, وتقوية العلاقة بين الصندوق والبنك الدوليين. فبالتأكيد هناك سبل لتقوية هذه العلاقة التي تتسم حاليا بالمتانة, لكن هناك مجال لمزيد من التمتين لهذه العلاقة, لا سيما في القطاع المالي. إن صندوق النقد وهو يحاول التعامل مع الأزمة الاقتصادية العالمية, يشدد على ضرورة أن نرتقي إلى درجة أعلى من التعاون الدولي للوصول إلى حلول أكثر فاعلية وبصورة عاجلة للبناء على ما تحقق من تقدم. وهناك إدراك من جانب الصندوق العالمي الأكثر تحملا والأكثر ثباتا, بما يتطلبه ذلك من إحداث اصلاحات وتحسينات على الصندوق ذاته. ولا يجب أن ننسى أن الصندوق, ومؤسسات بريتون وودز بصفة عامة, تحتاج إلى كل الدعم والمساندة وهي تقف في قلب الأزمة المالية العالمية. وإنني على ثقة من ان العالم كله سيخرج من خضم هذه الأزمة وهو أفضل تسليحا وأكثر استعدادا للاستفادة من ثمار الاقتصاد المعولم.

تعليقات

تعليقات