آفاق اقتصادية:الاتحاد الجمركي الخليجي والديمقراطية الاقتصادية

في الحقيقة قطع قادة دول مجلس التعاون الخليجي شوطا كبيرا من الطريق نحو الوحدة الاقتصادية الخليجية التي لاشك تعتبر مطلبا شعبيا لكافة شعوب الخليج. وتعتبر الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول المجلس أهم الانجازات الاقتصادية خلال فترة وجيزة . غير أن المتمعن في هذه الاتفاقية يدرك ويرى انها دون مستوى الطموح بكثير وتتخللها فجوات ونواقص وعيوب كثيرة من الناحية النظرية ومن الناحية العملية على حد سواء. ويركز معظم الاقتصاديين على مسألة تحديد وتعريف الـ 40% وهي القيمة المضافة محليا الى المنتج أو البضاعة لكي يمكن اعتبارها بضاعة وطنية, ونحن نرى أن هذه احدى النقاط المهمة بلاشك ولكن قد يكون هناك ما هو أهم من ذلك أيضا مثل الحواجز الجمركية والحواجز التشريعية والحواجز الاخرى والدعم الاقتصادي والمالي الحكومي للبضائع والمنتجات المحلية التي تسوق داخل السوق الخليجية ذاتها. ففي رأينا أن الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لو تم عرضها ومناقشتها كمشروع في منتديات ومؤتمرات القتصادية متخصصة قبل اقرارها, وتم من ثم أخذ توصيات اولي الاختصاص والمشورة بعين الاعتبار لاستطعنا تجاوز الكثير والكثير ممنا نلاحظه اليوم من عيوب ونواقص في تلك الاتفاقية. ولتمكنا كذلك من صياغة الاتفاقية وتحديد تنفيذها وفق برنامج زمني مدروس ومحدد كما يحدث في الكثير من دول العالم التي تهدف الى إيجاد تكتلات اقتصادية اقليمية. وهذا في الحقيقة صورة من صور الديمقراطية الاقتصادية. حيث أن الدول المتبنية للمشروع تحصل على المشورة الاقتصادية المطلوبة بأقل التكاليف وبصورة حضارية تجمع بين رأي أولي الاختصاص ورأي الجماهير الخليجية. فالماذا نرفض المبدأ الديمقراطي الاقتصادي اذا كانت هذه نتائجه. ان الملاحظ, وللأسف الشديد, أننا لا نعير اهتماما يذكر للمؤتمرات والمنتديات العلمية ونعتبر توصياتها ان وردت توصيات هامشية جدا لا يؤخذ بها, بل وتودع في أدراج المسؤولين ومكتباتهم كجزء من ديكورات المكاتب والمنازل, وخصوصا اذا كانت مغلفة بشكل جيد. كما أن تلك التوصيات يأتي معظمها بعد صنع القرار الخاص بها واتخاذه بل وتنفيذه, مما يؤكد تهميشها وعدم الاهتمام بها. ونحن لو نركز قليلا لرأينا ان الدول الصناعية المتقدمة قد أخذت بروح الديمقراطية الاقتصادية وروضتها لتتناسب مع مصالحها. فلا يكاد يتخذ قرار اقتصادي استراتيجي, أو ذو أهمية وطنية أو اقليمية الا وقد نظمت المنتديات الاقتصادية والمؤتمرات المتخصصة, قبل صنع القرار واتخاذه, والتي تقوم بدراسة ذلك القرار وتحليل آثاره الايجابية والسلبية المتوقعة معا. وهذا في الحقيقة ما نتمناه أن يطبق في دول الخليج العربية, حيث أن تطبيقه سهلا وممكنا ولا يتعارض مع أية مصلحة ولا ينجم عن تطبيقه أي ضرر, فلماذا لا تتبنى مثل ذلك الأمر الهيئة الاقتصادية في الأمانة العامة لدول مجلس التعاون, وتكون بذلك قدوة للآخرين؟ ان الهدف الذي ينشده الجميع اليوم هو تأسيس اتحاد جمركي خليجي وقد يكون نواة لاتحاد جمركي عربي. بيد أن العقبات التي سوف تواجه ذلك الاتحاد كثيرة أهمها: (1) عقبة الدعم المالي الذي تتلقاه بعض الصناعات الوطنية التي تم تسويق منتجاتها خليجيا. والحقيقة أن هذه العقبة غير مقتصرة على دول المجلس فهي تواجه الكثير من دول العالم ولقد استغرقت جولة أوروجواي في مفاوضات الجات مدة طويلة من أجل وضع حد لقضية دعم الدول للمنتجات الزراعية. ونحن في الحقيقة نستطيع تجاوز مثل هذه العقبة باحدى طريقتين: 1/1 أما برفع الدعم عن تلك المنتجات وجعلها تنافس في السوق, وهذا الحل قد لا ترضى به بعض الدول, وذلك لكونها تنافس في الأسواق العالمية وليس في السوق الخليجية. 2/1 أما الحل الثاني فيكمن في تحديد أرضية سعرية لتلك المنتجات من قبل الدول المستوردة وذلك لحماية المنتج الوطني. وهذا حل معقول جدا وممكن تطبيقه. (2) عقبة التفتيش على الحاويات والناقلات البرية على وجه الخصوص, والبحرية والجوية كذلك, وهذه قضية أمنية بالدرجة الأولى تترك لذوي الاختصاص للبحث عن الطرق التكنولوجية المطبقة في الدول الاخرى. أما جانبها الاقتصادي فيكمن في تحديد وتحصيل التعرفة الجمركية المتفق عليها, وهذا يجب أن يبنى على تقارير أمنية. (3) العقبة الثالثة التي تواجه دول المجلس هي عقبة تشابه المنتجات الناجم عن تشابه الظروف الاقتصادية والموارد الاقتصادية, وبالتالي عجز الطلب في السوق الخليجية عن التوازن مع العرض, مما خلق جوا من المنافسة تخرج بهذه الشعوب أحيانا عن إطار المنافسة المألوفة. ويكمن الحل لهذه المشكلة في البحث والتفكير في ايجاد سوق أكبر المنتجات الخليجية, وليس افضل في الحقيقة من البحث عن السوق العربية المشتركة. (4) عقبة تباين القوانين والتشريعات الاقتصادية والتجارية مازالت قائمة, وان طرأ عليها بعض التحسن في السنوات الأخيرة, إلا أنها مازالت دون مستوى الطموح. ونحن نتطلع الى أن القمة المقبلة لقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية سوف تكون قمة متميزة في تحديد أهدافها وصنع قرار تطلعاتها أخذة في الاعتبار كافة المتغيرات والمستجدات التي تشهدها الساحة الخليجية والعربية والدولية, كيف لا وهي القمة التي تجمع نخبة متميزة من القادة الذين أثبتوا للعالم فيما لا يدع مجالا للشك بأنهم قادرون على تأسيس دولا مستقلة في عالم متحضر والسير بها نحو الرقي والأمن والاستقرار. غير أن طموح الشعوب لا يقل عن طموح القادة في كون أن الكيانات الصغيرة في عالم اليوم يكاد وجودها يتلاشى في عصر لا يحترم فيه الا القوى. والقوة هنا تقاس بالمعايير الاقتصادية بالدرجة الأولى, وان كان للمعاير الاخرى وزنها كذلك.

تعليقات

تعليقات