شركاتنا المساهمة... أين منطق السوق؟ بقلم- د. خالد محمد الخزرجي

كثيرا ما اتعجب من بعض المدراء التنفيذيين في شركاتنا المساهمة عندما يصرحون بأن الشركة التي لم يبلغ عمرها السنتين او الثلاث قد حققت ارباحا قدرها كذا , واتعجب اكثر عندما ارى ان بعض المدراء لا توجد لديهم رؤية واضحة لمستقبل الشركة, ارجو ألا تفهموني خطأ حيث انني فخور جدا بشركاتنا المساهمة ومدرائها في الدولة وتزيد فرحتي عندما اسمع عن شركة مساهمة جديدة تبدأ بالاكتتاب ومن شدة الفرحة فانني انقل هذه البشارة الى جميع الناس, تارة انقلها الى طلاب تخصص الفيزياء في الجامعة, اقول لهم: شجعوا اخوانكم الطلبة على ان يتخصصوا بالفيزياء, فإنكم بعد اليوم لن يكون مجال الفيزياء هو التدريس في المدارس الحكومية فقط وانما يمكنكم ان تعملوا في ادارات البحث والتطوير في شركاتنا المساهمة وتصبحوا علماء المستقبل, وتارة انقلها للمستثمر الاجنبي الذي يمتلك شركة كبرى في الدولة, فأقول له لاداعي للحيرة في مستقبل شركتك, وعن ماذا تفعل بها عند بلوغك سن التقاعد او عندما تريد ان ترحل بعد سنوات من العمل الجاد في الدولة فان ظهور الشركات المساهمة سيساهم في حل مشكلتك. أبشر حملة الاسهم بألا يتخوفوا من المضاربات العشوائية في السوق فهذا لن يحدث لان شركاتنا المساهمة ومؤسسيها لم يأتوا الى السوق لهذا الهدف وانما لهم اهداف سامية اخرى, وابشر ابناء الامارات الذين يعانون من الحساسية والزكام والصداع من مكيفات الهواء عند بداية كل فصل صيف, قلت لهم لقد جاء الفرج فشركتنا المساهمة الجديدة ستحل لنا هذه المشكلة. بشرت اناس كثيرين عن التغيير الذي ستفعله شركاتنا المساهمة في حياتنا وعن القاعدة الاقتصادية التي ستبنيها لنا ولكن لم ابشر المستثمرين بان قيمة اسهمهم سوف تتضاعف في يوم وليلة اضعافا كبيرة وستهبط قيمتها في يوم وليلة هبوطا كبيرا وعندما سألوني لماذا؟ قلت لهم اني كنت افكر بمنطق السوق لهذا فإني اتعجب من تصريحات بعض المدراء التنفيذيين عندما يقفزون الى النتائج وينسون انهم في مرحلة بناء الشركة. منطق السوق: شركاتنا المساهمة تذكرني بكثير من الشركات العالمية التي بدأت مثل شركاتنا من لا شيء, احدث هذه الشركات هي شركات الانترنت وسبقتها في منتصف الثمانينات شركات الاتصالات الامريكية مثل ام سي اي وسبرنت وسبقت هذه الشركات ايضا في بداية الثمانينات شركة سي ان ان الاخبارية. هذه الشركات بدأت من لاشيء ولكنها بدأت برؤية واضحة واهداف محدودة ومنذ بداية تأسيسها سعت لتحقيق هذه الاهداف والوصول الى رؤيتها, رؤية وأهداف هذه الشركات يغلب عليها الطابع الابتكاري وهذا يعني بأن تحقيق هذه الاهداف يستغرق سنوات طويلة, وخلال هذه السنوات فانها لا تحقق ربحا يذكر وربما تخسر مبالغ كبيرة حيث ان تركيز ادارتها منصب على تحقيق الاهداف والذي من خلال تستطيع الشركة تحقيق الارباح, هذه المرحلة هي مرحلة بناء الشركة والتركيز يكون على البنية التحتية للشركة مثل الانظمة الادارية والتكنولوجيا والموارد البشرية, في هذه المرحلة يجب على الشركة ألا تفكر في تحقيق الربح الفوري ولا في زيادة قيمتها السوقية و لا في زيادة اسعار اسهمها, هذا التفكير في هذه المرحلة هو تفكير سابق لأوانه, واذا ما سمحت ادارة الشركة لمثل هذه الافكار بأن تقود تفكيرها او سمحت لضغط المساهمين بأن يقود سلوكها فانه من الصعب ان تستطيع ان تركز تفكيرها على تحقيق الاهداف الرئيسية للشركة, حيث ان طبيعة هذه الشركات لم تخلق لتحقيق الربح بعد سنة او سنتين من تأسيسها وانما خلقت لتطوير منتجات وخدمات ليست بتقليدية وانما هي متميزة وتطويرها سيؤدي الى اعطاء الشركة ميزة تنافسية قوية ليست على مستوى الدولة بل وعلى مستوى العالم. انني أذكر هذا لسببين رئيسيين, الاول هو ان تجربة الشركات المساهمة التي بدأت حديثا مثل شركات التأمين, لم تقدم جديدا وانما بدأت بشكل تقليدي ونظام تقليدي كأي شركة اخرى في مجالها, والسبب الثاني هو ان الشركات اذا بنت فكرها الاداري ونظامها التشغيلي بهذا الشكل التقليدي فانها سوف تبقى كما هي ولن تقدم جديدا وان كانت تصنع او تسوق خدمات ومنتجات, طموحاتنا كبيرة لهذه الشركات, نريد من تبريد بألا تصنع مكيفات وانما تطور مكيفات, ومن اطارات بألا تصنع اطارات وانما تطور الاطارات. نريد من جميع شركاتنا أن تقدم ما يتناسب مع المستهلك والبيئة الخليجية والعربية حتى تستطيع أن تنطلق عالميا, ولكي تقدم هذه المنتجات فانه مطلوب منها أن تركز على البحث والتطوير وعملية الاعداد لادارة البحث والتطوير تتطلب انظمة ادارية وتشغيلية حديثة وموارد بشرية متمكنة وتكنولوجيا, وهذه العملية سوف تستغرق سنوات حتى تستطيع هذه الشركات البدء في تطوير منتجات وخدمات جديدة ومتميزة والتي ستساعدها في تحديد مكانتها التنافسية. منطق سي ان ان عندما بدأت شركة سي إن إن في بداية الثمانينات اعلنت للجمهور هدفها المحدد الواضح وهو أن تكون الشركة الاولى في نقل الاخبار وقت حدوثها في اي وقت ومكان من العالم الى اي شخص وجهة من العالم. هذه الشركة كان من الممكن أن تبدأ مثل اي محطة تلفزيون في الولايات المتحدة والتي تعتبر محطات جيدة. وكان من الممكن أن تحقق ارباحاً في مدة اقصر بكثير من المدة التي اخذتها في تحقيق ارباحها, وكان امامها هذا المجال. ولكنها اختارت الطريق الصعب لتحقيق الهدف الذي وضعته لنفسها, ومن اجل تنفيذ خطتها الاستراتيجية بدأت اولاً في بناء البنية التحتية للشركة. فبدأت بنشر شبكتها التلفزيونية وذلك عن طريق بناء محطات بعضها دائم وبعضها مؤقت في مناطق مختلفة في انحاء العالم, وتدريب مراسليها ومذيعيها على كيفية تغطية احداث العالم بسرعة ودقة. هذا الاعداد استغرق ما يقارب من العشر سنوات, واول ظهور فعلي لـ (سي إن إن) في منطقة الشرق الاوسط وربما على مستوى العالم كان اثناء حرب الخليج. عندما بدأت المحطة بقطف ثمار العمل الجاد الذي استثمرته لبناء نفسها. حيث انها كانت الجهة الاعلامية الوحيدة التي اثبتت ان لديها الامكانيات والخبرات لنقل احداث حرب الخليج بدقة الى جميع مناطق العالم. وبالرغم من انها شركة امريكية الا ان الحكومة العراقية سمحت لها ببناء محطة ارسال مؤقتة في بغداد لبث احداث حرب الخليج. هذه المحطة صدق على كفاءتها الصديق والعدو. سي إن إن خلال السنوات العشر الاولى لم تحقق ارباحاً تذكر وانما كانت حساباتها في معظم الاحيان في السالب. وسعر اسهمها كان يتراوح خلال الفترة نفسها ما بين العشرة والعشرين دولاراً. ادارة الشركة لم تركز على هاتين النقطتين لان هذا التركيز سابق لاوانه وانما ركزت على اطلاق شركة جديدة متميزة لا تماثلها شركة اخرى في العالم. وتركت للمستثمر ان يراقب مسيرة الشركة عن قرب ومن ثم يحكم عليها بنفسه, اذن لماذا لا تتبع شركاتنا المساهمة هذا المنها؟ منطق اتصالات اتصالات من الشركات الرائدة في الدولة ومنطقة الخليج. وهي دائماً تنظر لنفسها على انها من افضل الشركات في منطقة الشرق الاوسط بما تقدمه من خدمات, حيث انها منذ تأسيسها كشركة مساهمة في سنة 1976 سارعت في بناء نظام اتصالات متكامل وجلب احدث تكنولوجيا الاتصالات في العالم لتقديمها لشعب الامارات ولكن المأخذ على اتصالات انها مثل باقي شركات المنطقة وشعبها وضعت نفسها كمستهلكة للتكنولوجيا وليست مطورة لها. ومن المعروف تاريخياً ان شركات الاتصال في جميع انحاء العالم هي التي تقود التطور والاختراعات في مجال الاتصال. في اليابان شركة نيبون وفي بريطانيا بريتش تليكوم وفي الولايات المتحدة آي تي آند تي, جميع هذه الشركات كانت لها الريادة في احداث قفزات كبيرة في عملية تطوير الاتصال. طبعاً من غير المنطقي ان نقارن اتصالات بهذه الشركات التي لها عراقة وتاريخ طويل في الاختراع والابتكار. ولكن هناك ايضاً شركات كثيرة اصغر عمراً بكثير من اتصالات مثل الشركات التي ظهرت في مجال الانترنت والكمبيوتر استطاعت بفترة وجيزة أن تحدث تطويراً كبيراً في المجال الذي تعمل فيه. اتصالات بعد ربع قرن من تأسيسها لم تستطع ان تكون لها ادارة بحث وتطوير ولم تستطع ان تعد موارد بشرية ذات عقلية تكنولوجية تستطع ان تدير ادارة مهمة مثل البحث والتطوير. حتى على مستوى اعداد الفنيين فإن نسبة تسرب المتدربين المواطنين فيها عالية ولم تستطع الشركة حتى الآن اعداد فنيين مواطنين بأعداد تتناسب مع متطلبات وطموحات الشركة. الخلاصة هي اننا لا نريد بعد ربع قرن من الآن ان نردد ما نردده عن اتصالات عندما نتحدث عن شركاتنا المساهمة التي بدأت اليوم. لا نريد بعد ربع قرن ان نراها شركات مستهلكة للتكنولوجيا فقط, لا نريد بعد ربع قرن ان نراها بدون ادارة بحث وتطوير, ولا نريد بعد ربع قرن ان نرى شباب الامارات لم يعدوا اعداداً تكنولوجيا وفنياً بما يتناسب مع طموحاتنا بالنسبة لشركاتنا المساهمة. عضو هيئة التدريس كلية الادارة والاقتصاد جامعة الامارات العربية المتحدة* للادلاء بآرائكم ومقترحاتكم حول هذا الموضوع ارجو الاتصال بالكاتب على بريده الالكتروني E-mail: alkhazra @ emirates.net.ae

تعليقات

تعليقات