آفاق اقتصادية:مرحبا بالتوطين

تمر علينا بعض المواسم نتذكر فيها أهمية توطين الوظائف فنجد المجتمع كله يجتهد لإبراز أهمية التوطين, فتهب وسائل الإعلام جميعها لتجند أقلام كتابها وتشحذ أفكارهم للتعبير عن أهمية التوطين, وتهب الجامعات والمؤسسات التعليمية ومؤسسات البحث العلمي لتساهم في تنظيم المؤتمرات والندوات والمنتديات العلمية لدراسة ومناقشة موضوع التوطين بغرض الخروج بنتائج وتوصيات قد تكون مفيدة لواضعي الخطط والبرامج ولصانعي القرارات, ومعينة لهم على أداء رسالتهم, ولا يقتصر الموضوع على تلك المؤسسات التي ذكرناها بل يمتد ليشمل كافة مؤسسات المجتمع. وفي مواسم الرواج تلك تكبر أحلام الخريجين وتطلعاتهم ويسود الاعتقاد لديهم بأن المجتمع ليس له هم سواهم, وان قضايا العالم كلها تصغر أمام قضيتهم فيبدون ارتياحهم التام إزاء العالم من حولهم, حيث تقترب أحلامهم من محطة الواقع في مخيلاتهم, فهنيئاً للخريجين لحظات السعادة تلك وإن كانت أحلاماً. ثم تمر علينا مواسم أخرى لانكاد نتذكر فيها أن المجتمع قد أصبح ينفق من دخله القومي ما يربو على 17 مليار دولار سنويا من أجل تعليم وتخريج الكوادر المؤهلة والمتخصصة في شتى فروع العلم والمعرفة, فهنيئاً لأبنائنا ذلك الانفاق الضخم وذلك الاهتمام الكبير, بيد ان ذلك الانفاق والاهتمام لابد وأن يتم تتويجه باستراتيجيات واضحة ومدروسة لتوطين الوظائف في كافة قطاعات المجتمع. ولاشك أن نظام التقاعد والضمان الاجتماعي الذي تم وضعه مؤخراً سوف يساهم مساهمة فعالة في إقبال الخريجين على الانخراط في القطاع الخاص, وهو أمر بالغ الأهمية وذو دلالات كبيرة, غير أن النظام يحتاج إلى آليات تنفيذه وأجهزة كفؤة لمراقبة ومتابعة ما سينتج عن تنفيذه من آثار ايجابية على عملية توطين الوظائف. لاشك ان عامل التقاعد والضمان الاجتماعي عامل هام وأساسي, وهو أحد المعايير الهامة التي يبني عليها الخريج قرار اختياره للتخصص واختياره للوظيفة الا انه ليس المعيار الوحيد, بل ان هناك معايير أخرى تدخل في حسابات الخريجين وقراراتهم منها الرواتب والترقيات والحوافز ومعاملة الزملاء في العمل, خصوصا في حالة سيطرة الأيدي العاملة الأجنبية على المناصب الادارية في مؤسسات القطاع الخاص, وصعوبة انتقال الخبرة من القوة العاملة الأجنبية إلى العناصر الوطنية, كل هذه العوامل التي ذكرناها يلزمها بحث ودراسة للوقوف على البرامج والآليات اللازمة لتنظيمها وتذليل عقباتها. إن سياسة التوطين في القطاع الخاص والقطاع الحكومي معاً تحتاج الى استراتيجية كلية واضحة ومدروسة, تربط بين احتياجات سوق العمل من ناحية وبين مخرجات التعليم من جهة أخرى, ففي حين نجد أن لدينا فائضاً في بعض التخصصات نجد أنفسنا بحاجة ماسة الى تخصصات أخرى, ومن هذا المنطلق فإنه لابد من الموازنة بين حاجة المجتمع من التخصصات وبين مخرجات التعليم, وتجدر الإشارة هنا إلى ان بعض المؤسسات التعليمية لا تراعي هذا المعيار بالغ الأهمية بل انها تلجأ الى معايير أخرى لا تتفق مع مصالح المجتمع في عملية توزيع الطلبة على التخصصات, ومن تلك المعايير تحاشي اغلاق بعض الأقسام العلمية ومن ثم تخصيص بعض الطلاب لها بغض النظر عما إذا كان المجتمع بحاجة الى ذلك التخصص أم لا. وفي حقيقة الأمر والواقع لايكاد يخلو منزل من خريج أو أكثر مضى عليه بعض الوقت (وذلك البعض قد يستمر أحيانا الى سنوات) يبحث عن عمل, ونلاحظ بعض خريجي الخدمة الاجتماعية وعلم النفس وعلم الاحصاء وعلم الاجتماع وغيرها من التخصصات, وبعد أن يمضي على تخرجهم مدة تتجاوز السنتين وبعدما تنقطع بهم السبل يلجأون الى الدراسة من جديد في تخصصات جديدة لعلهم يجدون العمل المناسب. فمتى تنتهي معاناة الخريجين ومآسيهم؟ ومتى سندرك أهمية العنصر البشري في عملية التنمية الاقتصادية؟ ومتى سنقف الوقفة الجادة في وضع الحلول المناسبة لمثل تلك الظواهر السلبية؟ د. محمد ابراهيم الرميثي

تعليقات

تعليقات