آفاق اقتصادية:أضواء على مؤتمر(كيب تاون)النفطي،بقلم: د. محمد ابراهيم الرميثي

على الرغم من كل ما نقوله ونطرحه في مؤتمراتنا ومنتدياتنا ولقاءاتنا الفكرية, وعلى الرغم من كل ما يتوفر لدينا من احصائيات عن النمو الحقيقي لمستوى صناعاتنا التحويلية وما يصاحبها من نمو في مستوى التجارة الخارجية والتوزيع وما صاحب ذلك من نمو في البنية الأساسية , على الرغم من كل ذلك لا يستطيع المرء إلا أن يقف خاضع الرأس مستسلما على أن النفط هو محور التنمية الاقتصادية لبلداننا الخليجية, وهو العمود الفقري لاقتصادياتنا. فلا يكاد المرء يتصور في المستقبل المنظور اقتصاديات خليجية بلا نفط. ومن هذا المنطلق فإن اي تأثير على أسعار النفط الخام العالمية يحدث هزة كبيرة في اقتصادياتنا على كافة الاصعدة وفي كافة القطاعات الاقتصادية. وما أدل على ذلك مما يحدث اليوم من انخفاض في الطلب الكلي العالمي على النفط الخام وما يصاحب ذلك من انخفاض حاد في الأسعار في أسواق النفط العالمية والذي يعزوه بعض المحللين والمراقبين الى ما أصاب أسواق جنوب شرق آسيا من كساد وأزمات مالية شديدة. ويربطون بالتالي بين إمكانية انتعاش تلك الأسواق وامكانية انتعاش أسواق النفط. ما من شك في أن المتغيرات الاقتصادية الدولية السلبية في جنوب شرق آسيا تلعب دورا كبيرا في جذب أسعار النفط الخام نحو الانخفاض, وذلك من خلال تأثيراتها السلبية على الطلب الكلي للنفط الخام غير أن هناك عوامل أخرى أكثر أهمية من ذلك العامل فيما لو دققنا بمن هو المستفيد من انخفاض أسعار النفط. لا شك ان المستفيد الاول هو الدول الصناعية المستوردة للنفط الخام, ولا أدل على ذلك من تصريحات (روبرت جي) مساعد وزير الطاقة الامريكي للشؤون السياسية والدولية أمام مؤتمر الطاقة الدولي الذي استضافته (كيب تاون) في جنوب أفريقيا في نهاية شهر أكتوبر الماضي وبداية شهر نوفمبر الحالي. حيث كان موقف روبرت جي واضحا عندما عبر عن الرأي الرسمي لحكومته بوقوفها ضد أية محاولات لرفع أسعار النفط, وتوجهاتها لجعل أسعار النفط حرة عائمة تخضع لقوى العرض والطلب العالمية, مستغلة بذلك التوجه العالمي لمنظمة التجارة العالمية نحو تحرير التجارة العالمية. ومتجاهلة عن عمد في الوقت ذاته أن النفط الخام والغاز الطبيعي يعتبران من السلع الاستراتيجية لم يتم التفاوض بشأنهما بعد في منظمة التجارة العالمية ولم يتم وضع نظام لهما في تلك المنظمة. ان الموقف الامريكي هذا عندما يتم مناظرته بموقف الدول المنتجة والمصدرة للنفط الخام وبشكل خاص موقف أوبك التي تسعى الى استخدام الاتصالات غير الرسمية بين الاعضاء لتعزيز التعاون والتنسيق لتحقيق قدر أدنى من الاستقرار في الأسعار, حيث فشلت المواقف الرسمية في تحقيق ذلك, ان مناصرة كلا الموقفين والربط بينهما يوحي للقارىء بأن عصرنا هذا قد أصحبت السيطرة فيه والغلبة للمستهلكين وليس للمنتجين. فهل نستطيع القول ان ذلك ترجمة لبداية النهاية لأوبك. في الحقيقة عندما بدأت أوبك في نهاية الستينات بدأت قوية ومسيطرة ولقد كانت الظروف الاقتصادية في صالحها حيث كان انتاج الدول الاعضاء فيها يفوق 50% من الانتاج العالمي في بعض السنوات الأولى من تأسيسها, وحيث كان جميع الاعضاء متحمسين لنجاحها. غير أنها الآن ومع ازدياد عدد الدول المنتجة للنفط من خارجها, حيث لا تكاد حصة دول أوبك مجتمعة تتجاوز 35% من الانتاج العالمي للنفط الخام في أحسن الظروف ومع ازدياد حدة الخلافات والمشاكل وتباين المصالح القومية بين أعضائها فإن جدارها بدأ يتصدع وموقفها يضعف شيئا فشيئا. فالى أين تتجه أوبك؟ إن كل ما يجري في أسواق النفط اليوم من متغيرات كل ما يجري لأوبك وما يدفع في ذات الوقت دولها الى تبني سياسات تقشف وترشيد للاستهلاك أو اللجوء للأسواق العالمية للاقتراض قد يشكل حافزا مشجعا ومبررا منطقيا لدول الخليج العربية الى مراجعة حساباتها الاقتصادية والتوجه نحو الاندماج والتكتل أكثر فأكثر. ومن هذا المنطلق نستطيع القول ان الباعث الى ضرورة اعادة النظر في الاستراتيجيات الصناعية الخليجية وما يرتبط بها من استراتيجيات التسويق والتوزيع وخدمات الأعمال بكافة أشكالها وانواعها, بل وما يرتبط بها كذلك من بنية أساسية وبشكل خاص الموانىء والمطارات والطرق والمناطق الحرة وطرق تنظيمها وادارتها, أصبح الباعث الى ذلك واضحا من خلال المعطيات الاقتصادية والاقليمية الراهنة, ان دول الخليج العربية ليس لها مستقبل في عالم اليوم الا اذا تبنت استراتيجيات اقتصادية واضحة تجاه العالم الخارجي وموقف اقتصادي موحد, وفي الوقت ذاته أعادت ترتيب وتنظيم برامجها الاقتصادية البينية لتأخذ الطابع التكاملي بدلا من الطابع التنافسي وأوقفت الحكومات دعم الصناعات التي تصدر للأسواق الخليجية وما يرتبط بها من خدمات, وذلك تحاشيا لظهور سياسة الاغراق بين الأسواق الخليجية, والتي تعتبر بحق ظواهر سلبية لابد من تحاشيها, فلقد آن للاعتماد على النفط أن ينتهي.

تعليقات

تعليقات