المخاطر الاقتصادية في العالم لاتزال قائمة

دخلت الأزمة الآسيوية التي أنفجرت العام الماضي الى مرحلة الانهيار. وكان واضحا ــ حتى قبل اشتعالها ــ أن الاقتصاد الياباني يعاني من الهبوط منذ مطلع العقد الحالي. وبات من الطبيعي ان يتم القاء اللوم على صندوق النقد الدولي لفشله في معالجة تداعيات الأزمة في كل من تايلاند وأندونيسيا وماليزيا وكوريا الجنوبية وغيرها . وقد أنضم مؤخرا الى كوراس منتقدي سياسات الصندوق توني بلير رئيس الوزراء البريطاني. والحقيقة اننا اذا أعتبرنا ان عدم ادراك مسؤولي الصندوق لمدى تفاقمات المشكلة وامتدادها للأسواق الناشئة الاخرى بمثابة ارتكاب احدى الجرائم, فيمكن هنا توجيه الاتهام لهذه المؤسسة المالية الدولية. وبدا أن الدواء الذي تم تقديمه للمكسيك منذ سنوات, وهي حالة منفصلة وشهدت مساندة كاملة من الصندوق من خلال ضخ المليارات من الدولارات الامريكية, يتعدى قدرات وطاقات الصندوق في الوقت الراهن. بيد أن البدائل التي يطرحها منتقدو سياسات الصندوق, ومن بينهم رئيس الوزراء الماليزي المتعصب وديكتاتور اندونيسيا سوهارتو وحلفاء وخصوم الرئيس يلتسين وغيرهم, تنقصها الواقعية التي تضمن النجاح. ويقيني ان علينا القبول بالقدر. ذلك ان حرية تحرك رأس المال من الأهداف الجديرة بالثناء والسعي اليها والقائمة على قاعدة الفاعلية طويلة الأجل والرخاء, على الرغم من أن تحرير عمليات التحويل الى العملات الاجنبية يواجه في بعض الاحيان حالة من عدم الاستقرار على المستوى العالمي. والسؤال الآن هل يبدو من الحكمة تحديد تحركات رأس المال من خلال اصدار تشريعات خاصة ومن ثمة استقرار اسعار الصرف ومعرفة حجم التدفقات المالية عبر الحدود؟ تشير جميع الخبرات الاقتصادية السابقة الى أن الناس مع مرور الوقت يتعلمون الالتفاف حول القواعد البيروقراطية ويعرفون كيف يشوهون تطبيقات الهياكل التسعيرية. وباعتباري أحد المستشارين الاقتصاديين للرئيس الراحل جون كينيدي في الستينات, عندما كان هناك تقديرات مبالغة في قيمة الدولار الامريكي بالاضافة الى عدم كفاية الاحتياطي من المعادن الثمينة في الولايات المتحدة للسماح بالطلب الاجنبي على الذهب, أدركت ان مزايا التحكم في حركة رأس المال قد تآكلت وأندثرت. بل أن الخبراء الاقتصاديين أشادوا بخطوة الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون عندما أخذ الولايات المتحدة بعيدا عن الالتزام بمعايير الذهب بريتون وودز في منتصف عام 1971. وتواجه الدول ــ بصفة عامة ــ في الاوقات العصيبة خيارات صعبة. غير انه لا ينبغي على روسيا, ان تطبع المليارات من الاوراق النقدية لعملتها خشية ان يؤدي ذلك الى ارتفاع الاسعار وأخيرا الى زيادة معدل التضخم. لكن ماذا لو أن جمع الضرائب كان عملا غير مناسب؟ هل سيظل الجنود على وضع الانتباه دائما؟ وهل سيعاني السجناء من الموت جوعا في الزنازين الخلفية؟ ويستطيع اي خبير اقتصادي ان يكتب عن التكافل الذي سيعيش الناس في كنفه في ظل الاقتصاد الموجه. فأنا سأحصد القمح لك مقابل ان تقوم بصنع الخبز لي بينما ستتولى هي تمريضنا عند المرض. ربما يسهل لنا ان نفهم هذا, لكن من الصعب التحول للأمام, والخلف نحو اقتصاد كلي موجه. فالاقتصاد هو فن الملاءمة, وكان جيفري ساش على حق عندما قال ان الاستعانة بمشروع مارشال اليوم سيكون مكلفا للغاية حتى يمكن له ان يزرع الاستقرار في الشرق الاقصى ويدفع بالاتحاد السوفييتي العجوز الى احضان الاتحاد الاوروبي. ولكن دعونا نفترض ان الدكتور ساش وجد نفسه امام اسئلة امتحان عليه ان يجيب عليها في البيت, يقول الامتحان اذا افترضنا جدلا أننا امام دولة ديمقراطية على استعداد ان تمنح بــ 5/1 أو 50/1 من دخلها الحقيقي على مدار السنوات الخمس المقبلة من اجل المساعدة في اقامة استقرار حكومة سلمية. فماذا ستكون عليه توصياتك؟ اعتقد أن رجل الاقتصاد المحنك سيهتم اكثر بمعالجة التحديات الواقعية التي تواجهنا ونحن على أعتاب قرن جديد. ولا أميل شخصيا الى الاعتقاد بأن كوريا الجنوبية او اندونيسيا واجهت أساسا مشكلة سيولة على المدى القصير. وحتى لو افترضنا ان هناك ملاكا من السماء اعطى فترة سماح اخرى لكوريا لكي تسدد اقساط القروض المستحقة عليها عام ,1997 يخالجني الشك ان باقي الدائنين سيحذون حذوه. وعندما تعثر نحو عشرة آلاف مصرف في الفترة من 1931 الى 1933 لم يسترد المودعون أو القارضون أموالهم الا قليلا. وبالنسبة لبلدان مثل روسيا وكوريا واليابان وماليزيا وغيرها من الدول التي تعاني بنوكها ومصارفها من ديون اضافية, فإن التحدي الحقيقي هو كيفية تخطى هذه العقبات والانطلاق نحو المستقبل والنمو, غير ان المشكلة ستتعقد اكثر عندما تكون غالبية هذه الديون لصالح مواطنين محليين أو هيئات وجمعيات محلية, وربما تتعصى المشكلة عن الحل عندما تصبح هذه الديون مستحقة لهيئات اجنبية في الخارج. ولعل من الخطأ الترويج للاعتقاد بأن الرئيس بيل كلينتون المحاصر لم يعد قادرا على ادارة مهام منصبه بسبب المشاكل الشخصية التي يواجهها: وها هي الأمم المتحدة تستقبله بحفاوة كبيرة, وفي احد اجتماعات مجموعة الدول الصناعية الثماني التي عقدت مؤخرا تقدم كلينتون باقتراح حول مبادرة تهدف إلى انتعاش الاقتصاد العالمي, واعتقد ان اقتراحه سيذهب ادراج الرياح والسبب في ذلك هو ان اليابان ستبقى مكتوفة الايدي كما انه لا توجد الرغبة ولا الفاعلية لدى اوروبا والولايات المتحدة لكي تساند مثل هذا الاقتراح. والخلاصة ان اقتصاديات دول العالم باستثناء الدول الاوروبية والولايات المتحدة لايزال الطريق امامها طويلا لحدوث الانتعاش المرجو. والسؤال الان ما هو برنامجنا الخاص خلال العام المقبل؟ 1ــ على الاتحاد النقدي الاوروبي الجديد ان يسارع ــ لمصلحته الخاصة ــ في اوائل العام المقبل بانتهاج سياسة ائتمانية متيسرة في البنك المركزي الجديد بفرانكفورت, وسيكون هذا بمثابة الخطوة الاولى لمؤسسة جديدة تسعى لكي تقيم لنفسها سمعة محافظة. 2ــ نظرا لتمتع الاقتصاد الامريكي بالقوة حاليا, فانه من المحتمل ان يقوم مجلس الاحتياط الفيدرالي بتخفيض سعر الفائدة, ومع هذا ففي حالة انخفاض الاسهم بصورة حادة في وول ستريت فان آلان جرينسبان ينبغي عليه حينئذ ان يخفض سعر الفائدة حتى يواجه تيار الريح والامواج العاتية, وعندما تتضح صورة الاقتصاد الكلي للولايات المتحدة, سيصبح لدينا متسع من الوقت لكي نتعرف على قواعد سياساتنا الاقتصادية المقبلة, وهي عملية لا تنتهي ابدا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات