في دراسة مهمة للأمين العام المساعد للجامعة العربية حول الأزمة المالية الآسيوية:الدول العربية أخطأت في نظرة الانبهار للنموذج الآسيوي

رغم مرور قرابة عام على تفجير الأزمة الاقتصادية والمالية في دول النمور الآسيوية إلا أن الآثار السلبية لهذه الأزمة وتداعياتها المتوقعة والمستقبلية على الاقتصاديات العربية ما زالت تثير الجدل بين المتخصصين وخبراء الاقتصاد والمال ورجال الأعمال . المفاجأة في تأثيرات الأزمة الآسيوية ليست فقط في التوقيت وأنها لم تكن في حسبان المخططين من واضعي الخطط الإنمائية والمصرفية والاقتصادية بالدول العربية, وإنما أيضا في أن الكثير من الخبراء والاقتصاديين كانوا في معظم دراساتهم وتعليقاتهم على نموذج التنمية الآسيوية يركزون إلى درجة (الانبهار) بهذا النموذج متجاهلين الكثير من المظاهرات السلبية في هذه التجربة, فضلا عن اختلاف الظروف المالية والاقتصادية والجذور التنموية لهذا النموذج مقارنة بالدول العربية. في هذا الموضوع تحاول (البيان) التركيز على رصد تأثيرات الأزمة المالية في الأسواق الآسيوية على الاقتصاديات العربية ولا سيما أن الكثير منها بدأ منذ سنوات مرحلة التخصيص والاصلاح الاقتصادي. انبهار بالنموذج استعرضت دراسة الدكتور عبدالرحمن السحيباني الأمين المساعد للجامعة العربية للشؤون الاقتصادية النظرة غير الموضوعية العربية للنموذج التنموي الآسيوي, وقالت في بدايتها انه وحتى منتصف عام 1997 كانت الأنظار مسلطة على جنوب شرق آسيا منبهرة بما حققته تلك النمور البشرية من معدلات قياسية في التنمية المادية, وكان التركيز منصبا على مقومات النجاح دون رصد وتحليل جوانب القصور في المؤسسات المالية والتي ساهمت في توجيه القروض إلى أنشطة غير منتجه, فضلا عن سلبيات أخرى أبرزها ضعف الافصاح المالي, والتجاوزات والفساد المالي والإداري في بعض الدول. وكان طبيعيا وسط تراجع هذه التجربة وتفجر الأزمة في آسيا وما تبعها من مساعي لتطويقها وتخفيف آثارها وتداعياتها أن يتم اعادة النظر في هذه التجربة, وتقييمها بنظرة مختلفة تركز هذه المرة على جوانب القصور, والآثار المحتملة للأزمة على شتى الأصعدة, سواء على الأسواق المالية أو على أسواق السلع والخدمات. وقال الدكتور السحيباني: انه فيما يخص البلدان العربية فإن ما حدث في آسيا يعد درسا ثمينا تستفيد منه لزيادة الحذر, ومراجعة سياساتها الاقتصادية وأداء أسواقها المالية والنقدية, وبرامجها الاقتصادية المستقبلية بصفة عامة, ومن ذلك تحويل الملكية أو الإدارة الحكومية لمرافق الانتاج إلى القطاع الخاص. ويتوقع الأمين المساعد للجامعة العربية للشؤون الاقتصادية أن يتنوع أو يتفاوت تعامل الدول العربية مع الأزمة المالية الآسيوية حسب طبيعة اقتصاد كل دولة وظروفه. دول مجلس التعاون على سبيل المثال فإن التوقعات تشير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي وجميعها مصدرة للنفط, وانطلاقا من تقييمها لهذه الأزمة الآسيوية ستؤدي إلى انخفاض الطلب على النفط, وبالتالي استمرار تدني أسعاره, أو ربما زيادة حدة الضغط على الأسعار إلى أدنى, مما لا يحقق الإيرادات المقدرة في موازناتها لعام ,1998 وبالتالي (تفاقم الفجوة) وتقوم هذه المجموعة (دول الخليج) بالسعي للحصول على تعويض النقص في الإيرادات عن طريق الاسراع في خصخصة بعض مرافق الانتاج المملوكة للدولة, تدعم ذلك التوجه التخمينات بأن الطلب الاضافي على النفط عام 1998 سيكون 1,5 مليون برميل يوميا مقارنة مع مليوني برميل يوميا عام 1997. ورغم ان زيادة طلب الدول الآسيوية على النفط كان في المتوسط للثمانية أعوام الماضية قريبا من 10% سنويا وهو أكثر من ستة أضعاف زيادة الطلب العالمي إلا أن طبيعة الأزمة المالية في البلدان الخمسة الآسيوية, وانعكاسات الأزمة قد تؤدي إلى زيادة استيرادها من النفط والوقود بشكل عام وذلك لأسباب أهمها أن: ( أ ) هناك طاقات فائضة في الانتاج الصناعي للدول الخمس مكان الأزمة المالية وانخفاض سعر صرف عملاتها قوى قدراتها التنافسية النسبية مما يدفعها إلى التعويض عن طريق زيادة الانتاج والتصدير, ويتطلب ذلك استيراد مزيد من النفط لتحريك عجلات صناعاتها, وعلى سبيل المثال فإن القسط الأكبر من استيرادها للنفط أساسه يتوجه إلى الانتاج. (ب) طبيعة الطلب غير المرن على المنتجات النفطية, سواء ازاء السعر أو الدخل مؤداها ان الاستهلاك الشخصي لن يتأثر بنفس مقدار النقص الحقيقي في الدخل. (ج) من الدول الخمس الآسيوية هناك ثلاث فقط مستوردة للنفط هي كوريا بالدرجة الأولى ثم تايلاند, ثم الفلبين, ورغم انها استوردت عام 1997 نفطا قيمته حوالي 40 مليار دولار أمريكي إلا أن هذا المبلغ لا يتجاوز 15% من اجمالي فاتورة استيرادها مقارنة مع 30% عام 1980. (د) إن دولا آسيوية أخرى هي مصدر متزايد للطلب مثل الصين التي استوردت العام الماضي ما قيمته بحوالي عشرة مليارات دولار أمريكي بعد أن كانت تصدر النفط في الثمانينات. (هـ) المستوى المنخفض حاليا لأسعار النفط يخفف العبء كثيرا على البلدان الثلاثة. جذب الأموال المهاجرة ويرصد الدكتور السحيباني ظاهرة ايجابية على المستوى العربي ضمن انعكاسات الأزمة المالية الآسيوية وهي ان الأسواق العربية أصبحت نسبيا أكثر جاذبية لرؤوس الأموال العالمية والعربية المهاجرة. يدعم ذلك النتائج الايجابية للاصلاحات الاقتصادية العربية وتحسن مناخ الاستثمار بصفة عامة وذلك قد يسفر عن تدفق غير متوقع لرؤوس الأموال إلى عدد من البلدان العربية وبالذات التي تدافع عن أسعار صرف عملاتها واتصفت السوق النقدية لديها بأسعار فائدة حقيقية عالية نسبيا. ولتفادي توجه تلك الأموال إلى المضاربات فإن المساعي للاستفادة من الظروف المستجدة سوف تتضمن الاسراع في خصخصة مرافق انتاج لم تكن جاذبة للمستثمر في السابق قبل أن تبدأ دول عربية عديدة في تطبيق سياسات الخصخصة والاصلاح الاقتصادي وتقوم باعادة هيكلتها واصلاحها وذلك إلى جانب تهيئة فرص استثمار كبيرة ذات تقنية متقدمة لم يكن تمويلها في المتناول. دول الاقتصاد المركزي وتختلف الرؤية أو التوجه عند أقطار عربية أخرى لا سيما تلك التي تنتهج نمط الاقتصاد المركزي, وما يتبعه من ملكية الدولة لمرافق انتاج صغيرة نسبيا تنتج لأسواقها المحلية وتنافس في الأسواق العالمية. ومن ثم فإن هذه الدول قد تضطر ــ (وهي محقة في ذلك) إلى التريث في طرح مرافق الانتاج التي تملكها الدولة للبيع للقطاع الخاص وذلك انطلاقا من حرصها على نجاح تلك المرافق, وتعزيز ربحيتها, ذلك ان الأزمة الآسيوية المالية وانخفاض سعر الصرف للعملات الخاصة بدول الأزمة سوف يؤدي إلى زيادة حدة منافستها في الأسواق العالمية. كما قد تضطر حكومة الصين إلى اتخاذ اجراءات تكفل نمو صادراتها, أو على الأقل المحافظة على مكانها في الأسواق العالمية فصادرات الصين تجاوزت ما قيمته 150 مليار دولار عام 1997 مقارنة بـ 20 مليار دولار عام 1981. تجميد البرامج وتتوقع دراسة الأمين العام المساعد للجامعة العربية للشؤون الاقتصادية أن تؤدي أزمة (النمور الآسيوية إلى أن تقوم بعض الدول والحكومات العربية بوقف معلن أو غير معلن عن تنفيذ برامج الخصخصة لديها وذلك حتى تحلل جوانب القصور في آسيا, وتتخذ الاحتراسات لتفادي الوقوع في مظاهر القصور أو الخطأ في هذه التجربة الآسيوية وذلك نتيجة للأسباب التالية: (1) ظهر في التجربة الآسيوية ما يمكن تسميته بـ (انفلات) البنوك في قبول الودائع والاسراف في الاقراض قصير الأجل دون ايلاء أهمية كافية للملاءة المالية أو تمويل شراء العقار, والمضاربات والاستثمار غير المتجه على حساب المزيد من الاستثمار المجدي طويل الأجل أو المدى. (2) مراجعة سياساتها النقدية وتفادي انعكاسات وجود أسعار فائدة حقيقية عالية نسبيا على العملة المحلية, وكذلك مراجعة القدرات الاستيعابية لتفادي تحرك المستوى العام للأسعار إلى أعلى معدل. (3) الاستفادة من استقراء سلوك السوق المالية المحلية بالنسبة للأسهم المتداولة في البورصة سواء ما يعود لمرافق انتاج كانت مملوكة للدولة, أو أسهم منشآت أقامها القطاع الخاص. هل تستطيع البقاء ؟ ومع ما يطرحه المحللون والمراقبون الاقتصاديون من احتمالات انهيار النموذج الآسيوي وتراجعه فإن فريقا آخر من الخبراء والمتخصصين الاقتصاديين العرب لا يتحمس إلى المبالغة في توقعات فشل هذا النموذج وعدم قدرته على الصعود وتجاوز أزمته ويرى الفريق الأخير انه لا يجب أن يطغى شعور مبالغ فيه تجاه الأزمة المالية الآسيوية يؤدي إلى ذعر يربك حركة التنمية ورسم السياسات في البلدان العربية فعلى الرغم من أن هناك تخوفا من أن الدول الخمس لن تستطيع أن تعود سريعة إلى مستوى نموها المزدهر إلا أنه لا يجب اغفال حقيقة أن الدول الخمس لديها المقدرة ليس على البقاء فقط بل وعلى تجاوز السلبيات واستعادة النمو وذلك للعديد من المقومات والأسباب منها على سبيل المثال وليس الحصر وكما ترصدها دراسة للجامعة العربية: - ان الدول الآسيوية الخمس ما زالت تمتلك هياكل الانتاج القوية نسبيا, وإذا كانت بعض شركات الانتاج في كوريا مثلا قد أعلنت افلاسها إلا أن ذلك لا يعني توقفها عن الانتاج أو زوالها, بل ان ما حدث ينتج عنه بيع المنشآت, وانتقال ملكيتها إلى أيد أخرى, وشطب بقية الدين لتتحمل البنوك الممولة مغبته وهمومه لتعود المنشآت إلى الانتاج والنمو واقتحام الأسواق بهدوء وطمأنينة. - هذه الدول تتوافر فيها القوى العاملة الماهرة الملتزمة ومن المعلوم هنا أن القوة البشرية هي روح التنمية اليابانية فقد خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية وهي محطمة معنويا وماديا لكنها استطاعت بقواها البشرية أن تكتسح أسواق العالم متفوقة على البلدان الصناعية السبع الكبرى ورغم ان اليابان تقوم باستيراد معظم المواد الخام اللازمة للإنتاج من الخارج إلا انها قدمت نموذجا فريدا في التنمية والتقدم الصناعي, ويلاحظ هنا أن دولار متقدمة أخرى اعتمدت على القاعدة البشرية في نهوضها ومنها ألمانيا في الفترة من (1870 ــ 1890) وروسيا (1900 ــ 1910). ورغم ان الدول الآسيوية الخمس استقرت لديها العديد من الصناعات أساسا للاستفادة من العمالة منخفضة التكاليف إلا انه لا يجب اغفال أن تلك الدول كان لديها أيضا قوى بشرية مدربة, وملتزمة نسبيا تفوقت كثيرا في هذا الجانب خلال السنوات الماضية من خلال مساهمتها في التنمية السريعة. - تتسم البلدان الآسيوية بميول إلى الادخار أدى إلى معدلات ادخار واستثمار عالية تجاوزت 30% في معظم الحالات والسنوات, اما في معظم الدول العربية فإن انخفاض معدل الادخار يعد عائقا أمام تحقيق معدلات نمو مرتفعة مما يتطلب البحث باستمرار عن أموال اضافية لسد الفجوة بين الادخار والاستثمار. عولمة الأسواق المالية وحسب نفس الدراسة الصادرة عن الجامعة العربية فإن هناك ناحية ايجابية جوهرية نتيجة الأزمة المالية وما ترتب عليها, ففي ظل العولمة, وبالذات عولمة الأسواق المالية ارتفعت الأجور والتكاليف في البلدان الناشئة بسرعة فائقة ولم تتح لها الفرصة لارتياد أسواق السلع في العالم بشكل تنافسي عال ولفترة كافية, بخلاف اليابان التي اقتحمت أسواق العالم بأسعار متدنية للغاية مقارنة بالمنتجات المماثلة آنذاك وظلت لفترة طويلة تحافظ على هذه المقدرة التي تتقلص تدريجيا, لكن يقابل التقلص تحسن في نوعية منتجاتها وكسب ثقة المستهلكين في مختلف أنحاء العالم. وحتى تصحيح أسعار النفيط في السبعينات يقال ان وراءه دولا صناعية تستهدف اجهاض نجاح التجربة اليابانية وذلك نظرا لان اليابان تستورد كامل احتياجاتها النفطية من الخارج ولكن اليابان استطاعت أن تنجح في تجاوز ما حدث وكانت في كل مرة ترتفع أسعار المنتجات اليابانية, لكن كان ذلك ولا يزال في مجال الهامش بين الأسعار المنخفضة لمنتجاتها وأسعار منتجات البلدان الصناعية التقليدية, اضف إلى ذلك تناقص مرونة انخفاض الطلب مقابل زيادة الأسعار نظرا لتزايد ثقة المستهلكين. هذا فضلا عن انخفاض التكاليف المحلية في الدول الناشئة بما في ذلك تكاليف العمالة مقارنة بأسعار العملات الرئيسية التي ستمنحها الفرصة للمنافسة, واحتلال أماكن مرموقة لمنتجاتها في أسواقها المحلية وفي الأسواق العالمية. ومن هذه الزاوية تخلص الدراسة إلى ان الأزمة المالية والانهيارات الاقتصادية سوف تصيب من تصيب, وتخطئ من تخطئ لتزيل جوانب قصور كانت تخيف بعض المستثمرين المحتملين, ولكن وقوعها سيؤدي إلى زوال جوانب القصور لتبقى مقومات النجاح التي تجذب استثمارات متعلقة من جديد, وليتحول القياس من مجرد احتساب تدفقات رؤوس الأموال إلى قياس مساهمة الاستثمارات في التنمية الاقتصادية بعيدة المدى التي يمكن الابقاء عليها. وخلاصة القول ان برامج الاصلاح الاقتصادي والخصخصة في البلدان العربية قد تتأثر مدا, وجذرا من جراء الأزمة المالية والاقتصادية الآسيوية انطلاقا من تقييم, وتحليل كل بلد عربي لتاريخ وواقع ومستقبل التنمية الناشئة التي هزت العالم. القاهرة ــ صلاح الشرقاوي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات