الأوبك وخطأ الإصرار على سياسة حرب الأسعار:بقلم - د. نقولا سركيس

عندما قررت ثلاث دول عربية خليجية منذ 12عاما زيادة انتاجها النفطي على نحو دراماتيكي , معلنة بذلك (حرب أسعار) أدت إلى الانهيار الذي أصاب السوق النفطية الدولية, وأحدثت انخفاضا بنسبة 8.49% في متوسط سعر سلة خام أوبك ليتراجع من 1.270 دولارا للبرميل إلى 53.13 دولارا في العام ,1985 عندما اقدمت هذه الدول الثلاث على ذلك كان هدفها الذي وضعته نصب عينيها, الحفاظ على حصصها في السوق العالمية. ومنذ ذلك الحين, وأسعار النفط تشهد تقلبات حادة, وإن ظلت دائما أقل من مستوياتها قبل العام 1986. إن ما يحدث في السوق النفطية منذ أواخر العام الماضي يبدو إلى حد كبير مماثلا لما وقع في الفترة السابقة للحدث الدرامي قبل 12 عاما. وخلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الشهر الماضي تراوح سعر سلة الأوبك حول 9.11 دولارا للبرميل وهو ما يقل بنسبة 1.39% عن متوسط السعر في اكتوبر 1997 والذي بلغ 54.19 دولارا. ومن ناحية القيمة الاسمية, يعتبر هذا هو أقل مستوى تم تسجيله منذ أغسطس ,1986 أي قبل 12 عاما بالضبط. أما من الناحية الفعلية وقياسا بقيمة الدولار في العام ,1973 فإن القيمة الحالية لسلة الأوبك تبلغ 6.3 دولارات للبرميل, وهو ما يعادل مستوى السعر قبل ربع قرن من الزمان, ويمثل ثلث متوسط السعر المسجل في العام 1974 والبالغ 9.87 دولارات للبرميل. وكما حدث سابقا, فإن الانهيار هذه المرة أيضا جاء نتيجة للتنافس المحتدم بين الدول المصدرة الرئيسة, سواء أكانت دولا بالأوبك أم من خارجها, وهو أيضا محصلة لسياسة هذه الدول الرامية إلى الدفاع عن حصصها بالسوق أو محاولة زيادة هذه الحصة, أي أن هذه الدول تحاول تعويض الانخفاض في العوائد الناتجة عن تراجع أسعار النفط بزيادة الصادرات, وبينما نجحت بعض الدول في تحقيق الهدف الأول, فإنها جميعا اخفقت في الوصول إلى الهدف الثاني. ونقصد به المحافظة على العوائد أو زيادتها إن أمكن. وخلال الفترة ما بين العام 1985 والنصف الأول من العام الجاري ارتفع إجمالي إنتاج الدول الأعضاء بالأوبك بنسبة 90% ليصل إلى 3.28 مليون برميل يوميا, بعد أن كان 9.14 مليون برميل. وإذا كان للأسعار أن تظل على مستوياتها المسجلة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري, فإن إجمالي العوائد التي ستحققها دول الأوبك مجتمعة خلال العام 1998 لن تتجاوز 108 مليارات دولار, وهي بذلك تقلل من الناحية الاسمية بنسبة 7.16 عن تلك المسجلة في العام 1985. أما من الناحية الفعلية وبحسابها على أساس الدولار في العام ,1974 فسيكون إجماليها 53 مليار دولار, أي أقل بنسبة 9.37% عن الرقم المسجل العام 1985 والبالغ 4.85 مليار دولار. وبالحساب على أساس الدولار في العام 1974 لا تزيد هذه العوائد على ثلث حجمها القياسي والبالغ 158.37 مليار دولار, والمسجل في العام 1981. وعلى الرغم من النتائج الكارثية, تبقى سياسة الدفاع عن الحصة بالسوق النفطية العالمية لتمثل أولوية, بل قد تصل إلى شعور مسيطر واستحواذي لدى الدول المصدرة الرئيسة. وكما هي العادة, فإن القرارات التي تم اتخاذها لخفض حجم العرض من النفط في السوق العالمية بغرض إحداث انتعاش في الأسعار لم تنفذ إلا جزئيا. فبينما تم الاتفاق على خفض المعروض من النفط من جانب الدول الأعضاء وغير الأعضاء في الأوبك بمقدار 3.1 ملايين برميل يوميا بدءا من أول يوليو الماضي, فإن أقل من ثلثي هذا المقدار تم وقف ضخه في السوق بالفعل, حسبما تشير التقديرات المختلفة, بل إن هناك تقديرا صدر عن لويس جيستي رئيس شركة النفط الحكومية الفنزويلية بي دي في إس أيه, يشير إلى ان حجم الخفض لم يتجاوز مليون برميل في اليوم. وبالنسبة إلى منظمة الأوبك فإن مصداقيتها تقوضت ليس فقط بسبب التجاوز المستمر للدول الأعضاء بها لحصصها الانتاجية المحددة سلفا, بل أيضا نتيجة للتصريحات الخرقاء سيئة التوقيت التي تصدر على لسان عدد من كبار مسؤوليها, حتى أنه منذ أسابيع قليلة مضت, ذهب وزير الطاقة بفنزويلا اروين ارييتا إلى وصف المنظمة بأنها (مجموعة من المهرجين) . وفي واقع الأمر, فإنه على الرغم من الاتفاقات المتعددة التي تم التوصل إليها في الرياض وامستردام وفيينا خلال الأشهر الأخيرة, فإن الدول المصدرة لم تنجح بعد في الخروج من الدائرة المفرغة لمحاولات تعويض الانخفاض في الأسعار من خلال زيادة الإنتاج, وهو ما يؤدي بدوره إلى إحداث مزيد من الانخفاض في الأسعار. إن هذه السياسة هي في حقيقتها (فيروس) آخذ في تدمير اقتصادات الدول المصدرة خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية. وهو فيروس ترسخ جيدا, ولم يتم حتى الآن العثور على الدواء الفعال لمكافحته. رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات