اتجاهات مالية: المحك الحقيقي للنمو: بقلم - اوزموند بلامر

يتطلب رصد اتجاهات الاسواق والتحقق من صحة الاقتصاد وسلامة توجهاته وحسن ادائه جهدا ضخما يحتم على الاقتصاديين والمحللين التشمير عن ساعد الجد والاستنفار التام وافراغ كل ما في جعبتهم من بيانات وتقارير وتجنيد تقنيات الاحصاء, على امل ان تفلح هذه المساعي التي تمزج ما بين استقراء التاريخ واستشراف آفاق المستقبل في شحذ البصائر والنفاذ الى بواطن الغد الاقتصادي الذي مازال في ظهر الغيب. ولكل شيخ طريقة, ولكل محلل اسلوبه الذي يتبناه للوصول الى قراءة واضحة لمعطيات الاقتصاد يجسدها بنهاية المطاف في مؤشرات تنبىء عن حقيقة الحال. ولحسن الحظ, فان ساحة التنبؤات تزخر بحشد واسع من الآراء وجهات النظر مما يعزز في الحقيقة من استقرار السوق ويبعث النشاط في الروح المعنوية خلال ظروف الركود والكساد ويكبح جماح السوق في نوبات التأهب للوثوب المتهور والصعود المتفلت من القيود. ومن سعد الطالع ان نشهد تفاوتا في النظرات فيما يراه البعض نفيسا غاليا بعتبره الآخرون هزيلا رخيصا والامر كله يعتمد على زاوية الرؤية. اما انا فإني اتحاشى التعقيد ويقتصر مجس النبض لدي على بضعة ادوات احاول من خلالها استجلاء حقيقة الاقتصاد وسبر اغوار حالته الصحية. واسلوبي الاول يتمثل وبكل بساطة في القيام بجولة في البيئة المحيطة بي استكشف من خلالها عدد مواقع البناء وورش الانشاءات النشطة هنا وهناك. وفي العديد من المدن يمكنك بمجرد اعتلاء سطح مبنى شاهق ان ترصد هذه الحركة بشكل واضح وان تحصي عدد الرافعات الشوكية والجرافات. وفي اقتصاد مثل اقتصاد الامارات العربية المتحدة, فان هذا المؤشر مقياس ممتاز يوحي بحقيقة الاقتصاد ومدى متانته وتمتعه بالعافية, حيث إن اقتصاد هذا البلد يعول الى حد كبير على قطاع الانشاءات سرح ناظريك على مد الاففق, تمتلىء عيناك بمشاهد المشاريع العمرانية قائمة على قدم وساق بدأ بالفيللات الصغيرة وانتهاء بالمجمعات الضخمة. واستنادا الى تلك النظرة الخاطفة الموحية لابد لي ان استنتج بأن الاقتصاد في هذا البلد يتمتع بموفور الصحة. والمقياس الآخر الذي الجأ اليه في هذا السياق هو مبيعات التجزئة والفلسفة المنطقية وراء هذا المؤشر هي وبكل بساطة انه اذا خلت الاسواق من المتسوقين فلن يكون هناك من داع لصناعة المزيد من السلع حيث انكمش الطلب, وعندها نستشف ان الاقتصاد متعثر وانه يعاني خللا ما. وليس تحت يدي حاليا بيانات رسمية واحصائيات دقيقة بالارقام حول حجم مبيعات التجزئة بدقة في هذا البلد. الا ان نقاشي مع عدد من الباعة في الاحياء القريبة من مكان عملي واقامتي قادني للاعتقاد بأن قطاع مبيعات التجزئة لم يفق بعد من الهجعة التي اصابته ولم يستكمل انتعاشه في اعقاب الاثار التضخمية التي نجمت عن فترة العفو عن المقيمين بطرق غير شرعية في البلد وعن زيادة مرتبات موظفي السلك المدني قبل ثمانية عشر شهرا. وتعج دبي اليوم بصالات التسوق الا انك لا ترى كثافة ملفتة للنظر في عدد الخارجين منها وعرباتهم مترعة بأكياس التسوق المنتفخة. وهناك بعض من محلات بيع التجزئة لم يحالفه الحظ. حتى في المجمعات التسوقية ذات الشهرة والشعبية, فأوصد ابوابه ولم يستطع الصمود حتى في مواجهة موجة كساد طفيف المت به ولربما يتعجل البعض فيخرج من هذه الملاحظات باستنتاج ان وضع الاقتصاد به بعض السوء وليس كما توحي به الصورة الاولى المستوحاهة من عدد الرافعات التي تسد الافق والمواقع الانشائية التي تنبض بالحيوية. وفي بعض الحالات يصعب اجراء التحليل الاقتصادي وذلك عندما يكون السوق لدولة ما لا يتمتع بحرية مطلقة بدون ضوابط. او يكون غير مفتوح على مصراعيه, وبلا قواعد تنظيمية امام المنافسة مهما كان مصدرها, والعمود الفقري لقطاع التصنيع يعتمد على التصدير اكثر من اتكاله على الطلب المحلي. لذا فان مبيعات التجزئة ربما لا تضع بين ايدينا مؤشرا حاسما بالسلب او الايجاب. ومن ناحية اخرى فان دبي طارت شهرتها في الآفاق باعتبارها الرحى في النشاط التجاري الاقليمي. والنتيجة التي نخلص منها من ثنايا هذا التحليل غاية في البساطة. فان كان ايحائي بأن الانحسار الطفيف في مبيعات التجزئة له دلالته, فان تصويري لتسارع معدلات النشاط في قطاع الانشاءات واضطراد زخم نموه يناقض الاستنتاج الاول. ومن هنا يتسلل الى المرء القلق بشأن حدوث تخمة في السوق العقارية فزيادة الفائض في العروض العقارية غالبا ما تكون عاملا رئيسيا في حدوث الركود الاقتصادي. ويحتاج هذا الامر الى تدبير حكيم تبادر به الجهات المعنية لعلاج هذه الظاهرة او اللجوء الى فتح السوق العقارية امام القوى التي تعمل في الاسواق الحرة على خفض الاسعار. نائب رئيس لويدز بنك*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات