تحليل اقتصادي: دملر بنز ـ كلايسلر وعقلية المدير العربي: بقلم - د. خالد محمد الخزرجي

عندما نقيم أداء المدير العربي فإن التقويم يتم على أساس ربحية الشركة والحصة السوقية المحلية لها والوضع العام للشركة مثل السمعة الجيدة ومدى رضاء الزبون والموظف, ولا شك في أن هذه العوامل ضرورية لتقييم أداء المدير ولكنها أصبحت عوامل تقليدية في الادارة الحديثة وتتضمن أهدافا متواضعة ليست فيها تحديات أو نظرة مستقبلية بعيدة المدى . فالمؤسسات المعاصرة أصبحت لها أهدافا ذات تحديات أكبر وفيها بعد نظر لأجل بعيد, فأصبح تقييم أداء المدير في هذه المؤسسات يعتمد على عوامل أكثر طموحا وفيها تحديات وبعدا أكثر مثل الابتكار والتحالف الاستراتيجي وقدرة المؤسسات على المنافسة في السوق العالمية وهذه العوامل تتطلب من المدير بأن يستخدم مهارات وموارد ذات الطابع الاستراتيجي ويتحمل مخاطر أكثر ليخرج بخطط طويلة الأجل تشكل تحديا لفكر رجل الشارع العادي والتي ستجعله يتساءل ويبحث عما يريد الوصول إليه هذا المدير في المستقبل من الخطط والأهداف والقرارات التي وضعها اليوم. وهذا بالفعل ما فعله الرؤساء التنفيذيون لشركتي دملر بنز وكرايسلر عندما فاجأوا العالم مؤخرا بقرار اندماج الشركتين, أشخاص كثيرون في جميع أنحاء العالم وربما بينهم المدير العربي أصبحوا يتساءلون عن أنه كيف بالامكان لشركة مثل دملر بنز والتي تعتبر سياراتها (المرسيدس) أفضل ما صنعه الانسان في هذا المجال, بأن تضحي باستقلاليتها وسمعة منتجاتها وتندمج مع كلايسلر؟ وكيف بالامكان لشركة مثل كلايسلر المعروفة بطابعها الأمريكي البحت (أكثر من الشركات الأمريكية الأخرى) وهي التي صنعت الشاحنات التي استخدمت في هزيمة الألماني هتلر في الحرب العالمية الثانية, كيف لها أن تتخلى عن وطنيتها وتندمج مع دملر بنز الالمانية؟ وكيف بالامكان أن تسمح كرايسلر لدملر بأن تديرها وتسمح دملر لكرايسلر بأن تشاركها في الادارة وبذلك تفقد الشركتين استقلاليتهما الكاملة. هذه الطريقة لم يتعود عليها المدير في الوطن العربي الذي يدير مؤسسة مستقلة وافتراضا بأنها قوية فإنه لايمكن أن يفرط باستقلالية مؤسسته مهما كانت الظروف وهذا ما نلاحظه في عملية تحويل الشركات العائلية إلى مساهمة وعملية اندماج البنوك وعملية انشاء سوق مالية للأسهم في كل حالة من هذه الحالات سيفقد المالك أو المدير السيطرة الكاملة على مؤسسته, لذلك فإننا لا نرى تقدما في هذه المجالات بالرغم من أهميتها لاقتصاد الوطن. ويعلل المدير العربي هذه المسألة بأن المؤسسة تحقق له الربحية , وهي لها دور قيادي في السوق المحلية أو الإقليمية طبعا وحصتها السوقية كبيرة وغير ذلك من الأسباب التي يراها منطقية لوضعه في قمة الهرم متجاهلا بذلك عوامل أكثر أهمية في سوق اليوم مثل الابتكار والتحالف الاستراتيجي والمنافسة في السوق العالمية. فإذا لماذا هذا الاندماج؟؟ يتوقع المحللون للعملية بأن هذه الخطوة ستغير من سوق صناعة السيارات بالكامل وستفرض على الشركات الحالية في هذه الصناعة تحديات كثيرة ليست فقط هذه توقعات المحللون ولكن سبقتهم قبلها توقعات مديري دملر وكرايسلر التنفيذيين الذي توقعوا بأنه في القرن القادم سوف يتقلص فيه أعداد شركات صناعة السيارات في العالم من 40 شركة إلى 20 شركة, وبأن الشركات التي ستأخذ الريادة في عملية التغيير سوف تكون لها الفرصة بأن تكون لها قوة اقليمية قوية تأهلها بأن تملي سياساتها على القطاع وتعطيها دور القيادة فيه أو على الأقل بأن تكون لها مشاركة رئيسية في قيادة قطاع السيارات. اضافة إلى ذلك فإن عملية الاندماج سوف تساعد دملر على الاستفادة من ريادة كلايسلر في مجال سيارات الدفع بأربع عجلات ويساعد كلايسلر من الاستفادة من ريادة دملر في مجال السيارات الفخمة وعملية تصميمها وتصنيعها لقطع السوق العالمية كشركة رئيسية, ومن المتوقع أن تساعد عملية الاندماج الشركة الجديدة بخفض تكلفتها بثلاث مليارات دولار سنويا وبأن تمتلك مصانع في أربع قارات مما يجعل لها الأسبقية في هذاالمجال عن الشركات الأخرى وبالذات اليابانية التي تمتلك بعضها مصانع في اليابان وأمريكا الشمالية فقط. إن السوق العالمية الجديدة تفكر بعقلية جديدة تسلك سلوكا استراتيجيا ذو نظرة بعيدة , وهذا ما نفقده في المدير العربي, فإذا ما أردنا أن تكون المؤسسة العربية سلوكا استراتيجيا يجب أن تدار بعقلية استراتيجية. لا أريد أن أعمم ولكن أستطيع أن أقول وبكل تأكيد بأن معظم المدراء العرب تنقصهم المقدرة بأن يفكروا استراتيجيا ويخططوا استراتيجيا ويضعوا أهدافا استراتيجية, والأهم من ذلك بأن يستطيعوا تطبيق هذه الاستراتيجيات, هذا بالاضافة إلى حب التحكم والتمسك بالموقع الذي هم فيه حتى لو علموا بأن اندماجهم مع شركة أخرى سيجعل السماء تمطر ذهبا, لأن الذهب في هذه الحالة سيكون لهم وللمساهم وللموظف وللوطن ولكن لن يكون لهم فقط. قسم ادارة الأعمال ـ كلية الادارة والاقتصاد جامعة الامارات*

تعليقات

تعليقات