رأي اقتصادي: آثار انخفاض الروبية الأندونيسية: بقلم- مستشار يحيى المصري

المعروف ان العملة المحلية لاية دولة هي المرآة التي تعكس الوضع التنموي والمركز الاقتصادي العام امام الخارج, كما ان ميزان المدفوعات هو الصورة التي تعكس المعاملات المتطورة وغير المتطورة مع الخارج, اي المعاملات التي تتعلق بالتجارة الخارجية والخدمات . والروبية الاندونيسية سبق انهيارها في اوائل الستينات عندما كان الوضع الاقتصادي لاندونيسيا ضعيفا وكان معدل الفقر المطلق يزيد عن ستين في المائة, غير ان الرئيس سوكارنو ومن بعده الرئيس سوهارتو استطاعا معالجة الاوضاع الاقتصادية عن طريق استثمار الجهد البشري للسكان الاندونيسيين. وفي اوائل التسعينات, وقبل الازمة الاقتصادية الاخيرة اصبح معدل الفقر 11% فقط وقد سجلت الروبية الاندونيسية حينئذ وحتى عام 1996 اقوى معدل لها عاكسة التقدم الذي وصل اليه الاقتصاد الاندونيسي وكانت قوة الروبية ترجع الى الفائض الكبير الذي حققه ميزان المدفوعات بعد زيادة صادرات اندونيسيا ووصولها الى اغلب دول العالم, وهي التي كانت دولة مستوردة فقط. ثم حدثت الازمة النقدية والمالية والتي لم تكن نتيجة تراخي في الانتاج, ولم تكن نتيجة فساد داخلي كما يذكر البعض, ولا حتى نتيجة عوامل خارجية كما يصور البعض الاخر ولكن كانت نتيجة لنقص الصادرات بسبب سوء تقدير لعمليات التنمية المتوازنة, حيث لجأ بعض كبار رجال الاعمال في اندونيسيا الى الاستثمار في العقارات واهملوا الاستثمار في الصناعة والزراعة والغابات. وفي بداية الازمة ومع اشتدادها في بداية الصيف الماضي, انخفضت قيمة الروبية الاندونيسية من 2400 روبية لكل دولار امريكي الى 18 الف روبية لكل دولار امريكي وان كانت قد تحسنت بعد ذلك حيث وصلت الى 7.500 روبية لكل دولار امريكي, ولقد حاولت الحكومة معالجة ذلك عن طريق وضع برنامج جديد يهدف الى تثبيت العملة عند سعر 5.000 روبية اندونيسية لكل دولار امريكي وانشاء مجلس للعملة يختص بتحديد سعر صرف الروبية الاندونيسية في ضوء هذا الهدف غير انه اعلن منذ ايام ان قيمة الروبية قد انخفضت مرة اخرى بمعدل 20% ليصل الانخفاض الى مائة في المائة من القيمة التي كانت عليها الروبية في اول الصيف الماضي. ان الاضطرابات السياسية التي انتشرت في اندونيسيا والتي ترتب عليها قيام مظاهرات عديدة في جميع انحاء البلاد, لا ترجع الى رفع اسعار بعض السلع تطبيقا للاتفاق الذي تم مؤخرا مع صندوق النقد الدولي بعد تعديله, وخاصة انه تقرر الغاء هذا الرفع في اسعار بعض السلع ومنها الغاء الزيادات في اسعار الوقود ومشتقاته, وانما ترجع الى انهيار الروبية الاندونيسية بعد انخفاضها بمقدار الضعف حيث ادى انخفاض الروبية الى زيادة اسعار كل السلع وليس بعضها, ويمكن ان يكون ذلك قد تم دون زيادة ظاهرية اي مع بقاء اسعار هذه السلع كما هي دون تغيير ظاهري للاسعار خاصة بالنسبة للسلع الغذائية الضرورية. ان الاصلاح العاجل المطلوب من السلطات الاندونيسية هو تقوية الروبية الاندونيسية وانتشالها من الانهيار الذي وصلت اليه وهو مالا يتم الا بالقيام باصلاحات في كل الجوانب الاقتصادية خاصة جانبي الانتاج والتصدير ليعود معدلهما الى ماكان عليه قبل الازمة مع ضرورة البحث في تشكيل مجلس محلي للعملة وكذلك مجلس اقليمي اسيوي للعملة يحفظ عملات دول جنوب شرق آسيا في مستوى القوة والتقدم الذي وصلت اليه قبل الازمة الاخيرة وهو ما نطمع في توافره على مستوى المنطقة العربية في ضوء الاستفادة العربية من ازمة دول جنوب شرق آسيا.

تعليقات

تعليقات