وراء الأخبار: المناطق الحرة والمستقبل: بقلم - كامل يوسف

من المؤكد ان الاهتمام الكبير من جانب المسؤولين والجمهور على السواء بالمحاضرة التي نظمتها (البيان) والتي القاها دكتور محمد احمد الزرعوني , مدير الشؤون الادارية والبحوث بادارة المنطقة الحرة في مطار دبي الدولي, لم يكن من قبيل الصدفة, ولا رمية من غير رام, وانما كان انعكاسا مباشرا لاهمية هذا الموضوع, الذي يتدرج في قائمة عدد من الموضوعات التي تشترك في طابعها الحيوي, والتي تحرص (البيان) على ان تثري الاهتمام بها من خلال اكبر كم ممكن من النقاش والحوار الابداعي حولها. واذا كان تاريخ المناطق الحرة, كما اوضح دكتور الزرعوني في محاضرته القيمة التي يجد القارىء في هذه الصفحة عرضا مفصلا لها, يعود الى العهد الروماني, حيث تمثلت في محطات لتبادل السلع من دون فرض للرسوم الجمركية او للضرائب, فان من حق القارىء ان يبادر الى طرح سؤال محدد, هذا هو الماضي والحاضر هو ما نعيش اليوم ولكن ماذا عن المستقبل؟ ومن المؤكد ان هذا السؤال يعكس وعيا بصميم العمل الاقتصادي الناجح كما يعكس ادراكا لجوهر تجربة دبي في مجال المناطق الحرة. فمنذ البداية المبكرة ذاتها كان حرص قادة دبي والمسؤولين بها على الانطلاق قدما بالمناطق الحرة وخدماتها وتسهيلاتها عملا بمبدأ غير واضح المعالم لمعاصريهم ولكنه كان رهانا كبيرا على المستقبل واستشراقا لآليات العمل الاقتصادي كما ستراه وتعيشه المنطقة في وقت لاحق. ان هذه الحقيقة توضحها بجلاء مجموعة النقاط التي اشار اليها د. الزرعوني في محاضرته باعتبارها ابرز مقومات نجاح المناطق الحرة وفي مقدمتها الاستقرار السياسي والاقتصادي وعناصر البنية التحتية الضرورية والادارة القادرة على العمل بكفاءة ومواصلة جهود التطوير فضلا عن توفير الخدمات الرئيسية والحوافز على اختلاف انواعها بالاضافة الى العناصر الموضوعية المهمة كالقرب من مواقع التجارة الدولية وتوافر الطاقة والايدي العاملة. وقد كان هذا كله مما حاولت قيادة دبي الملهمة توفيره وتحقيق اقصى قدر ممكن منه, ومواصلة تطويره وتنميته بحيث يغدو بالاستمرار الافضل والارخص والاكثر كفاءة بالمقارنة باي نظير في المنطقة. وربما كان من اكثر ملامح هذه المحاضرة التي نظمتها (البيان) حيوية واثارة للاهتمام انها كشفت عن ان المستقبل ملىء بالمهام التي تحتاج في آن الى قدرة صانع القرار على التحليق عاليا واستلهام آفاق المستقبل وكذلك قدرة الكثيرين على العمل بكفاءة واقتدار بما يخدم التنفيذ الفعلي للقرارات المتخذة. والواقع ان دبي تقف اليوم في موقف تحتاج فيه للأمرين معا, للجرأة في صنع القرار المعد على اسس علمية ركينة وللاقتدار في الانطلاق الى آفاق التنفيذ بما يتم الوصول اليه من قرارات. ولقد شدد المحاضر على ان العالم يثق في دبي, ويقدر تجربتها في عالم المناطق الحرة, ويحرص على التعاون معها في اطار عمل هذه المناطق وانشطتها. وهذا كله ضروري ومهم ورصيد حقيقي للحاضر والمستقبل, ومن الضروري والمهم بالقدر نفسه عدم الاكتفاء به والشعور بالرضا عنه بل لابد من مواصلة الرهان على المستقبل بتقديم المزيد من الخدمات والتسهيلات الجيدة والقادرة على منافسة ما يقدمه الآخرون. هذا الفهم يستمد اهمية من ان هناك مناطق حرة يجري تطويرها الآن او التخطيط لها والعمل على الحصول على تمويل قوي لها ومن هذه المناطق ما يوجد في سلطنة عمان وفي اليمن وفي ايران وغيرها, وهي كلها تطمح الى انتزاع قسم من السوق بالمنافسة وبتقديم الافضل. الطريق الصحيح هو نفسه الذي اعتمدته دبي منذ البداية المبكرة, ان تحلق عاليا بقدرتها على الابتكار, ان تقدم الخدمات الافضل والتسهيلات الاكثر اقتدارا والاقل تكلفة, وان تضع مسافة ليست بالقليلة بينها وبين أقرب من يجادلون اللحاق بها. هنا يلفت النظر ان المحاضر والمسؤولين الذين قاموا بمداخلات مكثفة بعد انتهاء المحاضرة وفتح باب الحوار قد شددوا على قدرة شباب الامارات بعامة ودبي بخاصة على الابداع والابتكار وتطبيق احدث معطيات التقنية في خدمة مشروعات بلادهم وخاصة ما يستشرف منها آفاق المستقبل. وتظل تلك هي نقطة القوة الحقيقية الجديرة بالمزيد من الاهتمام والتشجيع والدفع قدما سواء في انشطة المناطق الحرة او في غيرها منها الانشطة والرهان عليها هو رهان على المستقبل.

تعليقات

تعليقات