مدير برنامج دراسات الشرق الاوسط لـ(البيان):أسعار النفط يمكن أن تنتقل من التدهور الى الازدهار في غضون عام - البيان

مدير برنامج دراسات الشرق الاوسط لـ(البيان):أسعار النفط يمكن أن تنتقل من التدهور الى الازدهار في غضون عام

استقطبت مشاركة انطوني كوردسمان, المدير المشارك لبرنامج دراسات الشرق الاوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية, في اليوم الاول لمؤتمر الشرق الاوسط للنفط والغاز السادس بدبي انظار كل المعنيين بنفط المنطقة وبالحياة الاقتصادية والسياسية فيها بشكل عام . والواقع ان كلمته التي القاها في فعاليات المؤتمر القت الضوء على بعض الجوانب فيما يتعلق بالازمة النفطية الحالية التي تلقي بظلالها على الاسواق العالمية, والاثار المنتظرة والتي يتوقع ان تترتب عليها في اكثر من بعد من أبعادها. لكن النطاق الواسع لخبرة كورد سمان, وهي خبرة يعرفها ويثمنها كل من اشتغل في قطاع النفط, بحيث انها في نهاية المطاف اصبحت لصيقة باسم الرجل ودالة عليه, توحي بان لديه الكثير مما لم يتح له المجال للتطرق اليه في كلمته في المؤتمر. هذا الهامش العريض, الذي يمكننا ان نقول عنه انه هامش التوقعات الصعب يحرص كل المشتغلين في قطاع النفط على تحويله الى ما يمكن ان نصفه بانه الهامش الذي لا يخوضه الخبير الا مضطرا, وتلك هي بالضبط الارضية التي امتد عليها هذا الحوار الذي اجرته (البيان) مع كوردسمان. - في البداية دعنا نتناول هذا الاحتمال الذي لم يتردد بعض المحللين في الحديث عنه, صراحة وضمنا, وهو تعرض منظمة اوبك لضغوط هائلة مع استمرار انخفاض اسعار النفط بحيث تواجه المنظمة خطر التفكك. ما هو في اعتقادك مدى امكانية تحقق هذا الاحتمال؟ ـ اعتقد ان علينا التزام الحرص في مواجهة مثل هذا الطرح, فنحن نسمع الحديث عن خطر تفكك اوبك منذ عقد من الزمان,ومع ذلك لم يتحقق شيء من هذا, على الرغم من تكرار الحديث عنه, واذا تأملنا الموقف بشيء من الهدوء لوجدنا أنفسنا امام حقيقة مؤداها اننا لا نعيش في عالم يمكن ان يوجد فيه كارتل يمارس هيمنة مطلقة, وذلك لان الاقتصادات في الدول المنتجة تعتمد على النفط اعتمادا بالغا الى حد انها يصعب عليها التعاون فيما بينها بشكل يمكنها من التحكم في الاسعار, وهي لا تستطيع مقاومة اغراء ضخ المزيد من النفط الى الاسواق العالمية. هنا لا بد لي من ملاحظة ان اقتصاديات الدول المنتجة تجمعها خاصية تشكل قاسما مشتركا فيما بينها, وهي انها اقتصادات بعيدة عن التوفيق والنجاح, فهي قد اخفقت في تحقيق هدف التنويع الاقتصادي وتوسيع نطاقها وفي حل المشكلات التي تواجهها, وكنتيجة لهذا فان الدول المنتجة تبدو اكثر تلهفا على ضخ المزيد من النفط الخام. وفي ضوء هذا فانك لا يمكن ان تتوقع ان تكون لديك اوبك ناجحة في مثل هذه الظروف والضوابط الموضوعية. مصير برامج التنمية - ما هي الاثار التي تتوقعون ان تترتب في المديين المتوسط والطويل على ازمة النفط الراهنة بالنسبة لبرامج التنمية في دول الخليج؟ ـ مرة اخرى يتعين على المرء في التصدي لهذا النوع من الاسئلة ان يلتزم الحذر البالغ, فلو انك نظرت الى ما يقول به البنك والصندوق الدوليان اليوم لوجدت انهما يحاولان معالجة مشكلات تعكس حقيقة جوهرية,وهي ان النفط هو سلعة في نهاية المطاف وان الاسعار في بعض الاحيان ترتفع وفي غالب الاحيان تنخفض, والمشكلة هنا ليست في هذا على وجه التحديد, وانما هي تكمن في صعوبات هيكلية طويلة المدى, اكثر تعقيدا. المشكلة, في اعتقادي تكمن في اخفاق الاقتصادات النفطية في تحقيق التنوع, وفي الخروج بمنتجات جديدة,وتوسيع نطاق قاعدتها الاقتصادية لتشمل المنتجات البتروكيماوية وغيرها من المنتجات المماثلة. وكنتيجة لذلك فانه عندما يحدث تقلب في الاسعار فان اقتصادات الدول النفطية تعاني بشكل بالغ السوء. وأود هنا الاشارة الى اننا لا نتحدث عن أوبك, وانما نحن نتحدث, على وجه الحصر عن الدول العربية الاعضاء في هذه المنظمة, فهذه الدول العربية, ترتفع فيها معدلات النمو السكاني للغاية بحيث انها لا تستطيع ـ عملياً ـ تحويل الثروة النفطية الى ممتلكات نفطية, فكل عام ينخفض معدل الدخل الفردي لان المزيد من الناس يتقدمون كمشاركين في الحصول على هذا الدخل وبالتالي يتعين تقسيمه بشكل اكبر بينهم. واذا استمرت هذه الظاهرة التي نراها الان والمتمثلة في انخفاض الاسعار فان الحكومات تجد نفسها عاجزة عن مواصلة الانفاق على اشكال الدعم المختلفة التي تقدمها وعلى مشروعات البنية الهيكلية, وكنتيجة لذلك فان الضغوط تبدو اثارها واضحة للغاية. وفي حقيقة الامر, فاننا نواجه مشكلتين متفاعلتين, تتمثل احداهما في الاخفاق في التحديث وتنويع الاقتصاد الوطني والاخرى, هي تزايد معدلات النمو السكاني. - يتنبأ بعض الخبراء النفطيين بأننا في وقت ما من الصيف المقبل سنواجه احتمال تدهور سعر النفط الى سبعة دولارات للبرميل اوحتى خمسة دولارات للبرميل, فهل يبدو لك مثل هذا الاحتمال واقعيا أم انه اقرب الى سيناريو أسوأ الحالات؟ ـ اعتقد ان مثل هذا التنبؤ اقرب الى ان يكون سيناريو أسوأ الحالات منه الى اي شيء اخر, فعند نقطة معينة ستجد الدول المنتجة نفسها مضطرة الى خفض انتاجها لان تكلفة الانتاج ستكون مقاربة لمثل هذه الاسعار. ومن الواضح ان الايام التي كان برميل النفط فيها يباع مقابل ثلاثة دولارات قد انتهت منذ وقت طويل في الخليج, وعمليا لابد من الاخذ في الاعتبار بالاستثمارات التي لا بد من ضخها لكي يستمر انتاج البترول مستقبلا. واعتقد ان من المألوف ان يرى المرء تذبذبات في عالم النفط, ومن المفارقات في هذا المجال ان عدم الاستقرار في روسيا, على سبيل المثال, يؤدي الى خفض انتاج النفط هناك. كما ان تقلبات المناخ, والتعافي من المشكلات القائمة في اسيا, وغير ذلك من العناصر يمكن ان يؤدي الى الانتقال بالنفط من التراجع الشديد في الاسعار الى الانتعاش الكبير في غضون عام او عامين. ولكن اعتبار ما اذا كان ذلك من شأنه ان يؤدي الى مساعدة المنطقة في الخروج من مشكلاتها الاقتصادية هو أمر موضع تساؤل. ماذا عن بحر قزوين؟ - هل تتوقع ان يحل نفط بحر قزوين محل نفط الشرق الاوسط كمخزن كبير لنفط العالم في المدى المنظور؟ ـ لست اتوقع ذلك, ولا أحسب ان احد يتوقعه, وكل التقديرات التي اطلعت عليها مؤخرا تؤكد ان شيئا من هذا القبيل لن يقع في غضون ما يتراوح بين 10 ـ 15 عاما, على الاقل ـ بل ينبغي ان يمر هذا الوقت قبل ان تعرف على وجه الدقة كميات البترول الموجودة هناك وما هي تكلفة الانتاج. ولكنك اذا سألتني أين سيكون بحر قزوين والقوقاز وآسيا في غضون فترة تتراوح بين 20 - 25 عاما, فإنك قد تجد نفسك أمام منتج مهم, ولست أعتقد أن هناك محللاً جاداً في مجال النفط يتوقع تراجع أهمية نفط الشرق الأوسط من واقع البيانات المتاحة بالفعل. والأمر المهم الذي لابد من الإشارة إليه هنا هو أنه في غضون 20 - 25 عاما من الآن فإن سوق النفط سيكون مختلفا تمام الاختلاف, والطلب العالمي على النفط سيكون مرتفعا بصورة موازية. - الحديث عن القضايا النفطية المتعلقة بمنطقة قزوين والقوقاز يدفع تلقائيا الى الحديث عن المناطق القريبة منها وبخاصة عن إيران والعراق, وقد تعرضت سياسة الاحتواء المزدوج الامريكية إزاء البلدين لانتقاد حاد في العديد من الدوائر, ماهو تقويمكم لهذه السياسة في وضعها الراهن. ــ أعتقد أن المشكلة الحقيقية لهذه السياسة هي أن الكثيرين لايعرفون جوهرها بالشكل الصحيح, فالصياغة الأصلية لهذه السياسة تقوم على الاقتناع بأن ايران والعراق بلدان مختلفان للغاية, وهي تدعو لحوار امريكي مع ايران, وتؤكد على الاحتواء العسكري للبلدين, وهي مزيج من العناصر الامريكية والاقليمية والخفض من معدلات التوتر في المنطقة والقوات العسكرية فيها, ولو انها استمرت لأدت الى تخفيض القدرات العسكرية العراقية, والاخفاق الذي حدث لم يأت من هذه السياسة نفسها وإنما جاء من توجه البعض في العديد من الدوائر ومنها الكونجرس الامريكي الى فرض العقوبات الاقتصادية. وفي اعتقادي أن هذه السياسة أدت في حالة ايران الى الوصول الى نتائج عكسية للغاية, فهي قد أضرت بعمليات انتاج النفط وبالشعب الايراني, وأضرت بالمصالح الغربية ومن بينها المصالح الامريكية, لأنها تؤدي في نهاية المطاف الى الأضرار بالعناصر المعتدلة وتشجيع العناصر المتطرفة. وفي حالة العراق, فإنك ترى أن هذه السياسة قد استهدفت ألا يواصل العراق احتفاظه بصواريخه وبأسلحة التدمير الشامل التي توافرت لديه, ولم تكن العقوبات الاقتصادية أبداً جزءا من هذه السياسة ولسوف ترى أنه من خلال اتفاقية النفط مقابل الغذاء أن هناك نهاية لهذا الجانب من العقوبات الاقتصادية خلال العامين المقبلين. والمشكلة هي أن المرء إذا تشتت انتباهه قليلاً فإنه سرعان مايجد أن العراق قد استغل شبكة الاستيراد الخاصة به للحصول على مكونات أسلحة التدمير الشامل. وفي اعتقادي أن ما نراه يخرج من هذا كله لايعدو أن يكون المشكلة نفسها, وهو أنه يتعين التيقن من القدرات العسكرية الايرانية والعراقية والتعامل مع خطر انتشار أسلحة التدمير الشامل, وفي اعتقادي أننا لو أجرينا هذا اللقاء بعد عشر سنوات من الآن فإننا قد نجد أنفسنا في الموقف نفسه على هذا الصعيد. العقوبات الاقتصادية - في ضوء الانتقادات الحادة التي تعرضت لها سياسة الاحتواء المزدوج الامريكية من جانب العديد من الدوائر بما فيها شركات النفط الامريكية, هل تتوقع نهاية قريبة لهذه السياسة؟ ــ أعتقد أن هناك في الدول المنتجة للنفط نوعاً من الإعجاب البالغ بالشركات النفطية والمبالغة في تقدير قدراتها, ولكن الحقيقية هي أن هذه الشركات في الولايات المتحدة ضعيفة على الصعيد السياسي, وجهودها في مجال التأثير على عملية صنع القرار من خلال لوبي خاص بها هي جهود ذكية للغاية, ولكن أخذاً في الاعتبار بعناصر السياسة الداخلية الامريكية, فليس هناك سياسي أمريكي واحد يرغب في أن ينظر إليه على أنه يتبنى موقفاً ليناً أو متخاذلاً من إيران, على سبيل المثال. ولكنني أعتقد أنه في غضون عام أو عامين قد نرى جانباً من هذه المواقف, مع الأخذ في الاعتبار أن رفع العقوبات الاقتصادية في حالة ايران سيعني أي تراجع في الإصرار على فرض ضوابط صارمة على تصاعد القدرات العسكرية, وفي حالة العراق سنرى أن العراق يحاول تجاوز الضوابط, وهو ما رأيناه في تنفيذ اتفاقية النفط مقابل الغذاء. - أخذاً في الاعتبار بتداخل العناصر السياسية والاقتصادية على نحو استثنائي على الساحة العراقية, ماهو الاتجاه الذي يمكن أن يأخذه التغير في العراق في المرحلة المقبلة؟ ــ دعنا نسلم ابتداء بأن أنظمة الطغيان مقدر لها تاريخيا أن تنتهي بالسقوط, ولكن الإحساس الذي يساورنا جميعاً هو أنها ينبغي أن تسقط سريعاً ولكن هذا يعكس آمالنا وليس حقائق العالم الواقعية, فلدينا في العراق واحد من أنجح الأنظمة التوتاليتارية في العالم, وهو نظام له طابع عسكري في غاية التعقيد فنظام الاستخبارات الداخلية العراقية يضم أكثر من مائة ألف من العاملين في صفوفه, وتركيب المجتمع نفسه يجعل من الصعب للغاية على النخبة الحاكمة أن تقرر التخلي عن الرئيس العراقي والسماح بإسقاطه, وحتى إذا حدث ذلك فإن المرء لايمكنه التفاؤل كثيرا بأن يحل محله آخر على طرازه أكثر تعقيداً وصبراً وقدرة على المراوغة. محطات في خبرة انطوني كوردسمان - يعمل كوردسمان حاليا مديراً مشاركا لبرنامج دراسات الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن. - شغل عددا من المناصب البارزة في وزارتي الخارجية والطاقة الامريكيتين, ويدرس حاليا في جامعة جورج تاون الامريكية وكان عضوا في الوفد الامريكي بالناتو ومدير لفريق العاملين الدولي التابع للحلف. - يشمل نطاق خبرته العديد من المجالات في مقدمتها قضايا النفط, والشرق الأوسط وجنوب آسيا والدروس المستفادة من الحرب الحديثة, وموازنات الدفاع. - ألف العديد من الكتب, ومن أحدث مؤلفاته كتاب (حرب الخليج) الصادر عن دار وستفيو في العام 1995 وكتاب (التوازن العسكري الاسرائيلي وعملية السلام في الشرق الأوسط) الصادر عن الدار نفسها في العام 1996 وهو مؤلف ومؤلف مشارك للعديد من الدراسات الصادرة عن برنامج شبكة تقويم المواقف في الشرق الأوسط, وقد عمل في السابق رئيسا لتحرير مجلة (أرمد فورسز جورنال) الامريكية ومجلة (أرمد فورسز) البريطانية. حوار: كامل يوسف

طباعة Email
تعليقات

تعليقات