اتجاهات مالية: أنا المسؤول:بقلم: اوزموند بلامر - البيان

اتجاهات مالية: أنا المسؤول:بقلم: اوزموند بلامر

ما زال اعصار آسيا يعيث في اقتصادياتها فسادا, الا ان العجب يبلغ بالمرء مبلغه وهو ينقب عن حس المسؤولية في ضمائر قادة تلك المنطقة المنكوبة , وتبلغ المفارقة مداها الاقصى حين نصغى الى التاريخ يحدثنا عن الشعار الذي نقشه الرئيس الامريكي الراحل هاري ترومان على مكتبه, وكان يباهي به وارتبط بعدها باسمه,والذي كان يعلن على الملأ على لسان صاحبه: (اناوحدي من يتحمل كامل المسؤولية) نذكر هذا فيما نرى كثيرا من زعماء جنوب شرقي اسيا يتنصل من المسؤولية ويتبرأ من تبعاتها اليوم وقد وقعت الواقعة بعد ان ظلت دفة السفينة بأيديهم دهرا طويلا وماتزال, وكم كان يسعدهم ابتلاع جرعات التمويل في سبيل نهضة اقتصاديات النمور, ثم هاهم اولا وقد تربعوا على كومة الخراب يتهربون من جرائر اخطائهم وينكرون اي مسؤولية لهم عما حدث, او ليست هذه مصيبة المصائب ان يتحول احد كبار ساسة دولة ما الى بوق يروج لمفهوم التفسير التآمري للاحداث بدل الاقرار بالدور الهدام الذي لعبته الحسابات الخاطئة في السياسات الاقتصادية العوجاء! وماذا كانت العاقبة؟ ان سيف الفناء مصلت يهدد شبحه اقتصاديات نمور جنوب شرقي اسيا اليوم كما يهدد الانقراض النمور الحقيقية لجنوب القارة وتحاصرني مؤخرا اسئلة ملحة تستمزج رأي بخصوص مستقبل المنطقة وما اذا كان مسلسل التدهور متواصلا ام بلغ قاع الهاوية. وليس من اجابة شافية سهلة لمثل هذه الاسئلة, اذ ان المسألة لم تعد قضية الاقتصاد ومعضلاته, إن المعضلة في صميمها سياسية بحتة, فقد وقع الاندونيسيون صفقة اصلاحات مع صندوق النقد الدولي في اكتوبر. ونكثوا بتعهداتهم كافة معرضين عملتهم ومعها (بريجرين) لسقوط مريع وما هي اسباب الانصراف عن توصيات تلك الصفقة؟ الصداقات السياسية ومحاباة الاقارب, وهي المفاسد التي تأصلت في النظام وصارت هي الحاكمة على مسار الامور على حساب مصلحة البلاد والسواد الاعظم من الناس البسطاء. لذا استدعى الامر عقد صفقة اخرى ابرمتها اندونيسيا مؤخرا ولاينتظر منها الا جلب المزيد من المآسي للضحايا الحقيقين, هذا اذا تم الالتزام بتوجيهاتها. والسوق الاستثمارية تربة خصبة للمشترين اليوم, بالمنظور الاقتصادي لقد حباها الله بوفرة هائلة بالثروات الطبيعية واليد العاملة ضخمة الاعداد والامكانيات. وفي وسع هذا البلد ان يصبح من اكبر منتجي السلع وبكلفة زهيدة, مما يتيح له الافاقة من كبوته بصورة مذهلة. وليس من سبيل للإمساك بطوق النجاة الا اذا كان الساسة على استعداد لترك الاصلاحات تأخذ مجراها, وحتى اللحظة نجد ان همهم الاكبر وهاجسهم الاوحد الحفاظ على ارصدتهم في البنوك دون ان يمسها سوء وحماية مصالحهم الذاتية. غير اننا نعثر على شيمة الايثار في دول اخرى في المنطقة. ان تبدي هذه الدول احساسا اكبر بالمسؤولية سواء من حيث ادراكها لفداحة الازمة او لحجم الاصلاحات اللازمة للخروج من نفقها المظلم الذي حفره الساسة ولعل كوريا الجنوبية هي البلد الوحيد الذي تظهر عليه علائم امتلاك الارادة السياسية لمداواة اسقام اقتصاده. واما الصين فتنظر للمشاكل ذاتها بنفس المنظور الذي عاينت منه تايلاند معضلاتها وهو المنظور ذاته الذي كان شرارة اندلاع الازمة اساسا. وحسب بعض التقديرات فإن هناك (مثلا) فائضا في السوق العقارية في شنغهاي لا يقل عن 40% والشركات الحكومية غارقة بالديون المعدومة ولدى بنوك الدولة حشد عظيم من الاصول الميتة التي لا تدر اي فائدة. ومقابل هذا كله فإن الاستجابة الرسمية والتصدي لهذه المعضلات لم تعد موقف مصممي سفينة التايتنك الشهيرة الغارقة.. وكان شعار من صنع تلك الباخرة الهالكة يومها: لاشيء يثير القلق. لذا فإنهم لطمأنيتهم التامة لم يزودوها سوى بحفنة قليلة من قوارب النجاة لأنهم توهموا انها عصية على الغرق. والمطلوب الآن عمل حاسم وزعامة مسؤولة عوضا عن طقوس التبرؤ من التبعات نائب رئيس لويدز بانك *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات