النظام المالي وانهيار الاقتصاد في آسيا: بقلم: جيم هوجلاند

تُروى العديد من القصص عن الفساد المستشري في كوريا الجنوبية وسوء الادارة الاندونيسية والمخادعة التايلاندية في محاولة لإلقاء الضوء على الاسباب التي ادت الى الانهيار المفاجىء لاقتصاديات الدول الآسيوية. وبالرغم من ان معظم هذه القصص صحيحة وتوضح الكثير الا انها لا ترقى الى مستوى اعطاء الصورة الكاملة والواضحة لانها لم تنجح حتى الآن بتقديم تفسير مقنع للحقيقة الاساسية وهي ان الازمة الاقتصادية الاسيوية لم تميز بين ضحية واخرى. فقد سحقت في طريقها طموحات وخزينة دولة ديمقراطية صناعية عمل على بنائها شعب يلتزم بالنظام ومتجانس التكوين مثل كوريا الجنوبية بالسهولة نفسها التي سحقت فيها اتوقراطية غنية بالنفط حيث ينتشر التوتر الاجتماعي والعرقي مثل اندونيسيا. ويعكف خبراء المال العالميين على وضع ومراجعة خطط متكاملة مثقلة بالشروط لانقاذ آسيا وتعتمد بشكل مطلق على تصحيح العيوب الاسيوية. الا انه بدلا من الاعتراف بوجود هذه العيوب يبدو ان خبراء الشؤون المالية يميلون الى القاء اللوم على الاقدار. السؤال الذي لابد وان يطرحوه ويبحثوا عن اجابة عليه هو: هل ساعد النظام المالي العالمي على احداث هذه الكارثة الاقتصادية المفاجئة؟ ان تفجر الازمة الاسيوية, مثل الازمة المكسيكية عام 1994 جاء في حقيقة الامر من الخارج. فقد استحقت الديون القصيرة الاجل والمسحوبة بالدولار بكميات هائلة ورفضت البنوك الدولية والمستثمرين تقديم اعتمادات جديدة لانه اصبح واضحا ان الشركات المدينة والحكومات لم يكن لديها ما يكفي من الدولارات لتسديد الديون. وكما هو معروف فإن رأس المال جبان كما ان احدا لا يرغب بأن يكون آخر من يبادر الى الهرب. لذلك تبخرت الاعتمادات بين عشية وضحاها وبدأ القطيع المالي بالاندفاع المحموم بعيدا عن الاسواق الاسيوية في شهر يوليو ويدوس في طريقه الاقتصاديات الوطنية ومهددا فرص المستثمرين بالحصول على اموالهم. ليس من الصعب التعرف على الاسباب الموضوعية لهذا النمط من التصرف المالي المدمر. فقد قام بعض رجال السياسة الآسيويين الجشعين باستغلال كل المستثمرين والدائنين في الخارج وخصوصا بعد ان اعتمدوا على تقارير كانت تصدرها هيئات ثبت فيما بعد انها ليست حتى مؤهله لتقدير الديون الاجنبية الهائلة التي تعاني منها دول المنطقة الآن والتي لم توفر جهدا لابقائها طي الكتمان. فقد قام مدراء العديد من الحقائب الاستثمارية وتحت ضغوط وول ستريت لاستثمار مبالغ محددة في (الاسواق الناشئة) بالاعتماد على التقارير التي تصدرها مؤسسات مالية مثل ستاندارد وجور او تقديرات صندوق النقد الدولي او بنك التنمية الآسيوي التي اتسمت بالتفاؤل المفرط والبعد عن الموضوعية. ان هذا هو البعد النفسي للأزمة والذي لابد من فهمه. فتدفق رؤوس الاموال الضخمة خلقت في اذهان المستثمرين (آسيا مالية) تختلف عن الظروف الوطنية والهياكل السياسية للبلدان التي كانت تتدفق عليها هذه الاموال. لقد اصبحت آسيا بالنسبة لهم ارض الذهب. وقد ساعد على تكريس هذه الصورة ومباركتها تقرير للبنك الدولي صدر قبل اربع سنوات تحت عنوان (المعجزة الاقتصادية لجنوب شرق آسيا) والذي كال المديح لهذه البلدان التي تتعرض للانتقادات اللاذعة الآن, عندما اعلن ان اسيا نجحت باتباع الاسس بشكل صحيح. ليس المهم هنا ان الخبراء ايضا فشلوا في فهم الامور على حقيقتها, ولكن المهم ان العناوين العريضة قد تحجب اكثر ما تلقي الضوء عليها ولذلك لابد من التشكيك بها والعمل على التأكد من مضمونها. فقد اصبحت (العولمة) احد هذه العناوين العريضة السهلة للدلالة على العملية المعقدة التي انجبت (المعجزة الاسيوية) فقد توقف المستثمرون والمسؤولون والصحفيون عن التفكير حول التباين بين الحالات الفردية ضمن هذه المعجزة وجمعوها من غير تمييز ليطلقوا عليها صفات مثل النمور والاشبال وغيرها من الاوصاف البراقة. لقد كانت عملية الجمع العشوائي اسهل بكثير من التفكير من ناحية كما ان هذه الاوصاف الجماعية ساعدت على تغطية الارباح المشبوهة التي جناها مدراء الحقائب الاستثمارية من ناحية اخرى. ان هذا التوجه للتفكير العام والاستثمار الجماعي شجع ولسنوات عديدة البنوك المركزية ومدراء صناديق الادخار والهىئات المالية التي تقيم الاسواق في الولايات المتحدة الامريكية واليابان وغيرها من دول العالم على التغاضي عن المؤشرات الواضحة التي تدل على الفساد وسوء الادارة والمخادعة المنتشرة في اوساط هذه الدول التي كانت تقترض منهم مليارات الدولارات. عندما نظر بعض رجال السياسة الروس ومعاونيهم الى النظام القائم في كوريا الجنوبية رأوا فيه نموذجا للنهب الاقتصادي الذي كانوا يأملون بممارسته فالمعجزة الاسيوية كنموذج اقتصادي كانت اشبه ما تكون بخليط من الادمان على المخدرات والوهم والخداع ويختلف باختلاف اهداف الاشخاص القائمين عليه. الا ان صندوق النقد الدولي والقوة الموجهة له في هذه الازمة وهي الخزانة الامريكية يخاطران الآن باحداث زوبعة من الاستياء بسبب انتهاج سياسة تفتقر الى وضوح الرؤية. فخطط الانقاذ التي سيتقدمون بها ستفرض ظروفا محلية شديدة القسوة على الدول الاسيوية, الا انهم لا يقدمون ولا يطالبون باجراء اصلاحات جذرية في انماط الاستثمار والقروض الدولية والتي ادت الى هذه الازمة. فليس من خيار امام خبراء المال والاقتصاد من معالجة وبشكل واضح ومباشر الاخطاء التي تكمن في الدوائر المالية العالمية وكذلك اخبار العالم ولو في وقت متأخر عن عيوب آسيا التي ادت الى انهيارها الاقتصادي. كبير كتاب الواشنطن بوست*

تعليقات

تعليقات