جذور

الدروب القديمة في الإمارات.. ملامح ومسالك

ت + ت - الحجم الطبيعي

في أكثر من مقال تطرّقنا إلى عِظَم دور المرويّات الشفاهية في تأريخ الحوادث، وتثبيت الوقائع، وفي تأكيد الأحداث أو نفيها أو الإضافة عليها، بل وتصحيح بعض ما ورد في بعض المصادر، على اعتبار أن الرواة هم نَقَلة الواقع المعاصر.

فكان لهم بالتالي تأثير على مجريات بعض الأمور والأحداث، فهم على عِلم ودراية بما رأوه وسمعوه، فربما أضافوا فيه أو عدّلوا فيه أو صحّحوا فيه، وفي الوقت نفسه فإن المرويّات الشفاهية لا بد لها من مراجعة، وتنقيح وتعديل، ومقارنة بما ورد من معلومات في مصادر أخرى.

وهنا تكون العملية متكاملة بين المرويّ والمكتوب وبين المحكيّ والمدوّن. وعلى المؤرّخ مقارنة المعلومات وترجيح ما توفر لديه منها حسب قناعاته وحسب الدلائل التي يراها أمامه.

دعم وإنتاج

في مشاريع بحثية تعاملتُ معها، وأعددتُها وساهمتُ في عملها الميداني تبيّن لي أن أياً من تلك المشاريع ما لها أن تتم دون دعمٍ من جهات ومؤسسات حكومية فاعلة، فبها تتكامل عملية البحث العلمي والعملي والميداني.

وكم يحلو العمل الميداني بالتجوّل في أراضي الإمارات من دبا إلى غياثي ومن الجير إلى القوع، وتزداد إيجابية العمل بلقاء أصحاب الخبرة الحياتية التي ما كانت تحلو الحياة دون جهودهم وجهدهم وجدّهم ونشاطهم وعملهم.

ومما يضفي على العمل بهجة وروعة تلك الروح الوثّابة عند رواتنا، وتلك النظرة المتفائلة للحياة، وذلك الصبر والتحمّل، والعطاء والبذل فبكل ذلك تخطّوا الصعاب وتجاوزوا العقبات، وأتقنوا التعامل مع كل الظروف، تحيطهم عناية الله تعالى وتكلؤهم رعايته.

طُرق شتّى ووسائل متباينة

ومع مطلع القرن العشرين تواصل أبناء إمارات الساحل عَبر طرق شتّى فلم تنقطع بهم الدروب، ولم تتقطع بهم السبل، ولم تتوقف بهم الحياة أبداً، ولم تحُل مظاهر البيئة دون تواصلهم، وكانت الإبل وبقية الدواب وسائل للنقل الرئيسة، وظلت فترة طويلة تجوب الغفار والبوادي والسواحل والوديان والسيوح وشعاب الجبال، وكانت بالتالي عاملاً مهماً في تقارب الأهالي، وتبادل المنافع فيما بينهم.

ثم استعمل أهالي الإمارات ومنذ أواخر أربعينات القرن الماضي وسائل نقل جديدة، وهي السيارات أو المواتر حسب ما تُعرَف محلّياً. وكانت في بداية وجودها غريبة، عجيبة تعامل معها الأهالي بحذر لجهلهم بها وعدم معرفتهم كيفية سياقتها حتى قالت إحداهنّ تخاطب أخاها لمّا أخبرها بأنه سيُركبها موتره الجديد:

يا اللخو لا تشور بالموتر خلنا نركب عطايا الله

يمشي لين ساعة ويمكن ما نسافر بحكمة الله

بمعنى أن «الموتر دومه عطلان»، ولأدنى سبب يتوقف، بينما الركاب لم يخلقهنّ الله ليتعبن بل هنّ يمضين ويقطعن المسافات مذلَّلات بأمر الله تعالى.

وقال آخر: وركابنا بخير وقويّات أي أنّهنّ ما زال فيهنّ الخير والقدرة على قطع المسافات. وما أجمل ذلك الحوار الذي أبدعه سلطان الشاعر بين الجمل والموتر. وهو يشير إلى نوع من الانطباع السائد آنذاك في المجتمع الذي يُقبل على كثير التفاعلات والتحوّلات.

ولهذا بعد مدة تغيّرت الأحوال، وبدأ الأهالي يعون أهمية المواتر، ودورها في تيسير تواصلهم مع بعضهم البعض. إلا أنهم واجهوا طُرقاً غير معبّدة، ومسالك وعرة، في بيئات متباينة إلا أنه لم يكن للناس بدّ من الانتقال والتواصل والسفر الذي مهما كانت صعوبته إلا أنه ليس بطول أسفار القوافل، ورحلات الدّواب.

بين حاليْن وزمنين

في كل الأحوال في الزمنين قد انتقل عَبر هذه الدروب أهالي الإمارات، وتبادلوا من خلالها المنافع والسلع والبضائع، وفي محطاتها المختلفة توقفوا فتزوّدوا وابتاعوا وشروا، فأحيوا بالتالي أسواقاً، وأنشأوا عليها مراكز اقتصادية استفاد منها العابرون والمقيمون.

وكانت المنتجات البيتيّة من عسل وجبن ويقط وسمن وكامي تلاقي رواجاً بين الناس، حيث يباع جزء منها في تلك الأسواق. جنباً إلى جنب المنتجات الزراعية المعروفة كالحمضيات الطازجة مثل: الليمون والمركّبي والسفرجل بالإضافة إلى بعض الحمضيات المجففة والتمور والرطب والهمبا والحبوب والغليون ومختلف الخضراوات والفحم والأسماك بأنواعها المجففة والطازجة والمملّحة.

بين المقيظ والمشتى

ومن خلال لقاءاتنا تأكد لنا أن الناس تعاملوا مع فصلين واضحين في السنة هما الشتاء بما يتبعه من ربيع، والصيف بما يتبعه من خريف.

وفي هذين الفصلين تتغير حيوات الناس في أغلب نواحيها من حيث السكن والمكان والزي والأكل والبيوت وتكاد حيوات الأهالي كلها تتفاعل مع هذين الفصلين فتحدِث حركة ونشاطاً بين مدن وبلدات الساحل وبين البوادي وبلاد الحيور فتكون وكأنها خلية نحل تدلّ على تفاعل الناس مع تغيّرات فصول السنة.

وهم يدركون طبيعة البيئة والمناخ من حرّ وبرد فهيّأوا للأمرين شؤونهم حتى لا يتفاجؤوا بشيء غير متوقّع، مع إدراكهم أيضاً لهطْل الأمطار المتواصل وللجفاف والحرارة في الصيف. وهنا تأتي حكمة أولئك الأسلاف في إعطاء كل فصل حقّه من عمارة وبناء وغيرهما.

وهنا يأتي دور النّاقلين لأهالي المدن والبلدات الساحلية إلى أماكن المقيظ فينتقل كبار السن والنساء والأطفال وعموم أهالي المدن إلى تلك المناطق فيأتي كل بيت رجال من أهالي البوادي إلى أبوظبي، ودبي، والشارقة، وعجمان، والجزيرة الحمراء، ورأس الخيمة، وأم القيوين والحمرية ينقلونهم إلى المقايظ في العين بضواحيها وقراها المختلفة في هيلي والقطّارة والصاروج والمعترض وغيرها.

وحفيت والبريمي ومحضة وصعراء وقرى وبلدات الباطنة مثل شناص والعقر وخضراوين بو بقرة والوديّات بالإضافة إلى قرى وبلدات دبا وكلبا والجويس والعريبي والحيل والفحلين والحديبة والقصيدات والغبّ وضاية وشعم والجير، وفلج المعلّا، والذيد.

وهكذا تنشأ طرق مواصلات جديدة تحمل آلاف الأهالي إلى قضاء فصل الصيف في تلك الأماكن التي تشهد انتعاشاً في الحياة، وتواصلاً بين سكان الإمارات. وربما شهدت تلك الدروب مئات الإبل تنقل الناس. وأحياناً ينتقل قيّاظة الشارقة ودبي وعجمان بالشواحيف والجالبوت إلى أماكن المقيظ.

وهكذا هي الحال في البوادي وبلاد الحير إلا أن حيّز الانتقال من مكان إلى آخر أضيق بعض الشيء. ثم استمر الحال مع النقل في المواتر، إذ كانت أكثر من عائلة تنتقل في عريبي واحد لمكان محدد، ولم يتوقف هذا الأمر إلا مع منتصف العقد السابع من القرن العشرين تقريباً.

ملمح وملحظ

هنا ملمح مهم هو أن تفاعل أهالي الإمارات مع موسمَي الشتاء والقيظ كان جلياً واضحاً، حيث أحدث نقلات نوعية في العلاقات بين أبناء إمارات الساحل، وقد أسهمت شبكة المواصلات في إتمام هذا الارتباط والتفاعل، إذ لولاها لِما تمّ كل هذا التواصل.

وفي حالِتَي استعمال الدواب أو المواتر ظلّ الناس محافظين على انتقالهم إلى أماكن المقيظ وربما سلكوا الدروب نفسها في الحالتين نظراً لخبرة أصحاب الإبل وأصحاب السيارات في هذه الطرقات.

ونضيف أيضاً أن المراسلات والتقارير المثبتة في الوثائق والمصادر البريطانية قد أشارت إلى تلك الدروب في حالتَي الانتقال مما يؤكد أقوال الرواة في أحاديثهم وإشاراتهم التي تؤرّخ واقعاً لم يبقَ له وجود.

 

 

طباعة Email