حكواتي النوفرة.. محاولة لإنقاذ تراث من الإندثار

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

قد تكون مهنة الحكواتي، التي عرفتها بلاد الشام منذ مطلع القرن التاسع عشر تقليداً من الماضي، إلا أن مقهى النوفرة، أحد معالم دمشق القديمة، مازال متمسكاً بمحاولة إبقاء هذه المهنة على قيد الحياة، وهي المهنة التي كانت تحظى بشعبية كبيرة جعلتها جزءاً من التراث الشعبي لأقدم عاصمة مأهولة في العالم.

وعلى الرغم من أن بعض الباحثين يَرون أن الحكواتي مهنة أو حرفة انتهت، بانتفاء الحاجة إليها، بعد أن كانت وسيلة تسلية وترسيخاً للقيم، إلا أن الكثيرين يحرصون خلال شهر رمضان المبارك على ارتياد المقهى، لقضاء أمسية متميزة بالاستماع إلى سير يرويها الحكواتي.

وقد لايبدو غريباً أن الحكواتي سبق الأعمال الدرامية المعاصرة، لجهة تشويق المشاهد أو المستمع، من حيث التوقف عن متابعة السيرة عند لحظة حاسمة، أو موقف متأزم يجعل الحضور متحمسين لمعرفة ما سيحدث تالياً.

بدء العرض

يُطفأ جهاز التلفزيون في المقهى إيذاناً ببدء العرض، يتخذ الحكواتي أبو سامي مكانه على كرسي مرتفع يتوسط المقهى بحيث يراه الجميع. يضرب بسيفه على منضدة صغيرة وُضعت بجانبه للفت الانتباه وطلباً لصمت الحضور.

«ياجبار، يامغيث، أغثنا».. بمثل هذه العبارات يبدأ، متابعاً سيرة الملك الظاهر التي كان بدأ بها في يوم سابق.

ولإثارة التشويق يلجأ أبو سامي للتلويح بالسيف، ثم يهوي به على المنضدة عند أي نقطة مثيرة في القص، قبل أن يتوقف في مفترق مهم للحكاية رغم مطالبة الحضور بالمتابعة.

تروى السير باللهجة المحلية المحكية بعيداً عن اللغة الفصحى، وهو عرف متوارث للمهنة، وغالباً لا جديد فيها عنترة وعبلة، الزير سالم والسيرة الهلالية، لكن ما يجذب المشاهد هو الأجواء المختلفة.

خبرة كبيرة

أبو سامي قال لـ«البيان»إنه يعمل في هذه المهنة منذ عشرة أعوام بشكل يومي، ووجوده لايقتصر على شهر رمضان المبارك، مشيراً إلى أنه اكتسب الخبرة من خلال تردده على المقاهي الشعبية والاستماع إلى الروايات والحكايات القديمة، ورأى أنه ليس بإمكان أي شخص أن يلعب دور الحكواتي، فهو يتطلب الجرأة بداية، والفصاحة والقدرة على جذب انتباه الرواد، ودفعهم للتفاعل مع الأحداث.

صالح أحمد الرباط، مالك المقهى، تحدث لـ«البيان» عن تاريخ المقهى الذي يعود لأكثر من ثلاثمائة عام قائلاً: عمر المقهى 350 عاماً، وتمتلكه عائلتي من نحو 100 عام، مشيراً إلى أن حرص المقهى على وجود الحكواتي رغم كل مظاهر التطور، ووجود التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي. هو تعبير عن التمسك بتراث على شفا الاندثار. الرباط أكد أن مقهى النوفرة هو المكان الوحيد في دمشق، الذي مازال للحكواتي وجود فيه، فيما لجأت كثير من المقاهي إلى أجهزة التلفزيون، خاصة لعرض مباريات كرة القدم العالمية التي تلقى رواجاً كبيراً نظراً لصعوبة متابعتها في المنازل.

أجواء خاصة

رعد خليل أحد رواد المقهى، أشار إلى أن لشهر رمضان المبارك أجواءه الخاصة المشبعة بالألفة، التي يستعيد الناس فيها،سيما كبار السن منهم ذكريات جميلة مازالت ماثلة في الأذهان. أضاف: يعطي الحكواتي ميزة إضافية لهذه الأجواء، سيما وأن موعده يكون عادة بعد انتهاء صلاة التراويح قرب التاسعة مساء.

عدد من الرواد وهم من مختلف الأعمار اتفقوا على أن اللجوء للمقهى هو غالباً للهروب من البيت، بسبب انقطاع التيار الكهربائي لعدة ساعات، أو للقاء الأصدقاء، وبالتالي الاستمتاع بما يرويه الحكواتي أبو سامي بطريقته الطريفة المحببة.

طباعة Email