محنة الآثار السورية.. حاضر مسلح يغتال ماضياً أعزل

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

الحرب محنة، ليس للإنسان فقط، بل للموروث الإنساني أيضاً. هذا ما نلمسه اليوم بشدة، فقد بتنا نشهد اختفاء معالم حضارية، ومواقع أثرية كاملة، صمدت في مكانها آلاف السنين، لكن الحرب الحديثة، بأدواتها التدميرية، أتت عليها في غمضة عين، وأحالتها إلى ركام وحطام، أو تركتها نهباً لعبث سارقي الآثار، والمتاجرين بها.

احتضنت سوريا التاريخ الإنساني لآلاف الأعوام، وقدمت أعظم إرث ثقافي للبشرية، بسبب موقعها الجغرافي المميز؛ على أرضها ظهرت الأبجدية، وولدت الزراعة، ومنها اختبرت محاولة إشعال النار، وانتشرت الأديان السماوية، ونشأت على أرضها، أو انتقلت منها، أكثر من 30 حضارة.

كل هذا لم يشفع لهذا البلد أن ينجو من أتون الحرب. دمار كبير لحق بمعظم المواقع الأثرية، ومئات الآلاف من القطع القديمة هربت إلى خارج البلاد، وتكونت حولها وللمتاجرة بها سوق سوداء عالمية، في ما يمكن أن يكون إحدى أكبر الكوارث في تاريخ وتراث البشرية المادي وغير المادي.

نقل القطع

في توضيح ذلك، قال المدير العام للآثار والمتاحف في سوريا د.محمد نظير عوض لـ«البيان»: إن «الحديث عن الأزمة السورية وتداعياتها السلبية على قطاع الآثار والمتاحف هو حديث طويل شائك ومعقد»، لافتاً إلى أنه «مع بدء الأزمة وبوادرها تبين فعلاً أن هناك تعديات على المواقع الأثرية بشكل عام. وقد اتخذنا مجموعة من الإجراءات، ورغم ذلك حدثت أضرار بالغة طالت المواقع الأثرية والمتاحف».

وأضاف: «اضطررنا لاتخاذ قرار بإغلاق وإقفال جميع المتاحف، ونقل القطع إلى مناطق آمنة لحمايتها، والحفاظ عليها بدءاً من عام 2012، لأن بعض المدن سقطت بيد المسلحين من جهة، وللحفاظ عليها من أعمال التفجير، وسقوط القذائف والاشتباكات وغيرها من جهة أخرى».

وأشار عوض إلى أن التجربة الأولى كانت نقل ما يقارب من 1000 وحدة من القطع المهمة من الروليفات والتماثيل النصفية الجنائزية، التي تختص بها تدمر وذلك قبل الاجتياح الأول للمدينة، لافتاً إلى أن «المسلحين قاموا بتفجير معبد بل ومعبد بعل شامين وأجزاء كبيرة من المقابر البرجية الشهيرة في المدينة».

ولفت إلى أنه «بعد التحرير الأول قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف بإشراف وزارة الثقافة بنقل ما استطاعت نقله من متحف المدينة إلى دمشق. ومن ذلك تمثال أسد اللَّات الذي رمم في المتحف الوطني بدمشق بمنحة مالية من اليابان، بالتعاون مع خبراء بولنديين وخبراء سوريين».

كارثة وطنية

ومع تطور الأحداث تعرض متحفا إدلب والرقة للنهب، حيث لم تتمكن السلطات من نقل محتوياتهما.

يقول عوض «لم نستطع نقل محتويات متحف إدلب لأسباب كثيرة، منها الخطورة العالية، خصوصاً مع طول وصعوبة الطريق بين إدلب ودمشق»، مضيفاً: إن «خسارة هذا المتحف كبيرة جداً، وتعتبر كارثة على المستوى الوطني، لأنه كان يحتوي على قطع استثنائية ومهمة كالرقم الكتابية الفخارية، التي تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ المنطقة، ولأهم مملكة على الإطلاق خلال الألف الثاني والثالث قبل الميلاد (مملكة إيبلا)، حيث تعتبر هذه الرقم بحكم المنهوبة بالإضافة إلى قطع أخرى مهمة جداً».

وتابع: «خسرنا، أيضاً، محتويات متحف الرقة، حيث إننا قمنا بنقل محتوياته إلى المصرف المركزي في المدينة، إلا أن سقوط المدينة أدى إلى خسارة محتوياته البالغة 5 آلاف قطعة أثرية».

تدمير مواقع

وفي جانب آخر من المأساة، قال الدكتور عوض: إن الحرب كانت كارثية على الكثير من المواقع الأثرية جراء خروج مساحات واسعة عن سلطة الدولة، وأصبحت تلك المساحات سوقاً سوداء للإتجار بالآثار السورية، ومكاناً للتنقيب الهمجي والعشوائي بهدف البحث عما هو ثمين، مضيفاً: «إن المواقع في تلك المناطق، سواء كانت تلالاً كبيرة أو صغيرة، تحتوي مدافن وخرب. وقد تعرضت إلى أعمال حفر وتنقيب بشع باستخدام معدات ضخمة كالبلدوزرات والتركسات، وغير ذلك ما أدى إلى تدمير السويات والطبقات الأثرية، وأصبح من غير الممكن أن تقرأ هذه السويات».

وتابع: «إن المواقع الأثرية التي حفرت ونقبت تعود إلى الألف الثالث والرابع، إلى جانب مواقع كلاسيكية رومانية وبيزنطية وإسلامية. كل المواقع تعرضت للتنقيب»، لافتاً إلى أنه «على رأس تلك المواقع مملكتا «ايبلا» و«ماري»، وهما مهمتان جداً، وتعرضتا للتنقيب والتخريب وأصبحتا مكاناً للعسكرة».

وأردف مدير الآثار: «نستطيع التحدث عن كارثة وطنية، ألمت بالتاريخ الثقافي المادي. أي الآثار التي تعتبر من الأهم في العالم».

وأوضح أن بعض المواقع الأثرية والمقامات الدينية تعرضت لأعمال تفجير ممنهج.

سوق سوداء

وقال: إن «الدمار والتنقيب للمواقع الأثرية أدى إلى ظهور ما نستطيع تسميته بالسوق السوداء للإتجار بالقطع الأثرية السورية، التي تم تهريبها ودخلت في السوق السوداء العالمية. وهكذا، باتت تصلنا المعلومات عن قطع أثرية موجودة في دور العرض أو يتم الإتجار بها على مواقع التواصل الاجتماعي».

إجراءات

وأردف: إن «انطلقت خطط الحفاظ على القطع الأثرية والمتاحف والمواقع الأثرية بقوة عام 2012، ولم يكن سهلاً تنفيذها خلال الحرب»، مشيراً إلى أن «المديرية لم تكن تمتلك خطط إخلاء، لأنه لم يكن يخطر ببالنا أن يحدث في سوريا ما حدث فعلاً».

وتابع: «رغم الخسائر الكبيرة إلا أن التجربة السورية في مجال نقل محتويات المتاحف والحفاظ عليها تعتبر تجربة مهمة جداً، لاقت استحساناً عالمياً في هذا الإطار بنقلنا مئات الآلاف من القطع إلى أماكن آمنة، ونعمل الآن على إعادة جردها وتوثيقها وتصويرها، والوقوف على حالتها الفيزيائية وحالتها المادية في مكان تخزينها».

ووواصل قائلاً: «إن من الإجراءات المهمة في المتاحف أننا بدأنا أيضاً أعمال ترميم للقطع الأثرية التدمرية، التي دمرت على يد تنظيم داعش ونقلت إلى دمشق، ورممنا بمنحة يابانية، وبالتعاون مع البولنديين، 70 قطعة تدمرية».

وأشار عوض إلى أنه «لدينا تعاون مهم جداً مع دول شقيقة وصديقة لترميم قطع أثرية دمرت خلال الحرب، ومنها حوالي 100 قطعة أرسلت إلى متحف سلطنة عمان الوطني ليتم ترميمها بخبرات من الارميتاج».

وأوضح أن «هناك الكثير من القطع تأثرت خلال الحرب بفعل التخزين في مناطق لم نستطع الوصول إليها أو تأثرت من جراء الزمن، فالحرب لمدة عشر سنوات جعل من الصعب أن تقوم المديرية بكل الأعمال الطبيعية، التي يجب أن تقوم بها من تنقيب ومعاينة لقطع وغير ذلك».

مكتب الاسترداد

وقال عوض: من الإجراءات لحماية تراثنا كان تأسيس ما يعرف باسم «مكتب الاسترداد» لمتابعة القطع الأثرية السورية المهربة إلى الخارج.

وأضاف: إن «هذا الأمر شائك ومعقد جداً، فهناك قطع هربت من متاحف إدلب والرقة، كما أننا فقدنا بعض القطع كما في متحف طرطوس وفي متحف حماة. وتظهر تلك القطع في السوق السوداء، ومن الممكن متابعتها بقوة، لأننا نملك (ID) أو هوية هذه القطعة، ونستطيع المطالبة بها بسرعة، لأننا نملك هويتها ومقاساتها ووصفاً لها، ونعلم من أي متحف خرجت منه».

وتابع «أما الأخطر والأكثر ضرراً في ملف الاسترداد، فهي تلك القطع التي خرجت بفعل التنقيب العشوائي من كل المواقع الأثرية، وعددها كبير جداً، وقد يصل إلى مئات الألوف إن لم يكن بالملايين بحسب تعبير البعض، وفقدنا الكثير لأن حجم الحفريات كبير جداً».

وأردف: «استطعنا من خلال مكتب الاسترداد متابعة الكثير من القطع، التي وضعت في دور العرض أو المزادات في أوروبا، وبذلنا جهوداً مع مؤسسات كثيرة، واستفدنا من مساعدة المقيمين السوريين في الخارج الذين كانوا يرسلون من معلومات دقيقة عن أي قطعة سورية تعرض في أي مزاد أو دور عرض، إضافة إلى أصدقاء من جنسيات مختلفة، يتواصلون لإعلامنا عن أي قطعة مهربة».

واختتم قائلاً: «إن عملية الاسترداد تحتاج إلى وقت طويل، وإلى الكثير من الإجراءات المعقدة لعدم وجود اتفاقيات كافية أو ناظمة لهذا الأمر، وهناك كثير من الطرق التي يجب أن نسلكها على درب الاسترداد».

طباعة Email