عدسة الأيام

خميس بن رمثان.. «GPS» الثلاثينيات والأربعينيات

بسبب طبيعة مواطنهم القاسية، اشتهر عرب الصحراء منذ أقدم الأزمنة بمعارف فطرية، لم يشتهر بها غيرهم، ومنها معرفة الجهات والمسالك والدروب الصحراوية، والاستدلال على الأمكنة وموارد المياه بالأمارات المحسوسة؛ كرائحة التراب ومساماته، والكواكب الثابتة، ومنازل القمر. هذه المعارف وصفها محمد شكري الألوسي البغدادي في كتابه «بلوغ الأرب» بعلم «الاهتداء في البراري»، وعُـرف المتميزون به بالفراسة والحدس ودقة الملاحظة والذكاء الحاد، وأطلق عليهم الأدلاء؛ لأنهم كانوا قديماً ممن لا يستغنى عنهم في الغزوات ورحلات التجارة والحج الطويلة، عبر البراري القاحلة لجهة الإرشاد عن اتجاهات السير ومصادر المياه. كما عــُرفوا باسم قصاصي الأثر، بسبب نجاحهم في الاهتداء إلى التائهين، وأيضاً في تعقّب قطاع الطرق والمجرمين في حقبة سلب ونهب القوافل التجارية قبل توحيد الجزيرة العربية، واستتباب الأمن في ربوعها. وهناك قصص وحكايات طويلة عنهم شعراً ونثراً في التاريخ العربي والإسلامي، بل هناك أسماء لرجالات تميّزوا بهذه المعارف ما زالت تتردد على ألسنة الناس، بسبب أدوارهم الحيوية في الكشف عما استعصى فهمه أو اكتشافه.

وقد أتى أحمد فهد العريفي في كتابه «مقامات حائلية.. لمحات تاريخية واجتماعية ونصوص شعرية»، على ذكر بعض من هؤلاء المشاهير من أدلاء الصحراء في العصرين الجاهلي والإسلامي، ممن كانت قبائلهم تتفاخر بهم مثل دعيميص الرمل العبدي، الذي كان مضرباً للأمثال عند العرب حتى قيل «أدل من دعيميص الرمل»، وخالد بن دثار الفزاري (دليل بني فزارة من قبيلة ذبيان)، ورافع بن عميرة الطائي (دليل جيش خالد بن الوليد إلى العراق والشام)، وحنيف الحناتم (دليل بني تيم من ثعلبة في معرفة الإبل)، وعبدالجبار بن يزيد بن ربعة الكلبي (دليل بني المهلب بن صفرة)، والأصيدف بن صليع الطائي (العارف بالبلدان زمن الدولة الأموية)، وعبداللّه بن أريقط العدوي (دليل الرسول صلى الله عليه وسلم، في هجرته إلى المدينة المنورة)، وغيرهم..

دور محوري

أما في العصر الحديث، فلا نبالغ لو قلنا إن أشهر الأدلاء وأكثرهم تأثيراً هو خميس بن رمثان العجمي؛ لأنه لعب دوراً محورياً في إرشاد الجيولوجيين الأمريكيين إلى مكامن النفط في شرق المملكة العربية السعودية، فأسهم بذلك في إحداث نقلة نوعية في اقتصاد بلاده، وبالتالي إحداث انقلاب في حياة مواطنيه المعيشية والاجتماعية. ولهذا فإن اسم الرجل ارتبط بتاريخ التنقيب عن النفط في بلاده، وارتبط من ناحية أخرى باسم الجيولوجي الأمريكي ماكس ستاينكي (توفي 1952)، الذي وصل إلى السعودية في عام 1934 منتدباً من قبل شركة «سوكال» التي حملت في ما بعد اسم «كاليفورنيا آرابيان ستاندارد أويل» قبل أن تُعرف باسم «أرامكو»، التي كانت قد حصلت في 29 مايو 1933 على امتياز التنقيب عن النفط في شرق السعودية.

ولأن بن رمثان وماكس ستاينكي كوَّنا فريق عمل متجانساً ومتفاهماً أدى إلى الوصول إلى الزيت في مناطق عدة من السعودية، فمن المستحسن قبل الحديث عن سيرة بن رمثان أن نسلط الضوء على تاريخ اكتشاف النفط في شرق السعودية، ودور ستاينكي فيه.

صعوبات

بدأ وصول الجيولوجيين الأمريكيين إلى السعودية في عام 1933، ثم انضم إليهم ستاينكي في العام التالي، وراحوا يهيئون أنفسهم للعمل، ويجرون الاختبارات الأولية عن مكامن النفط في ظل حراسة ومساعدة بعض الجنود والأدلاء البدو من أمثال عبدالهادي بن جثينا، ومحمد علي القطري، ومحمد بن خرسان القحطاني، وخميس بن رمثان العجمي.

وعلى ضوء الخرائط التي تم وضعها لمناطق الامتياز، خلال أشهر من العمل المتواصل والتحليق اليومي لطائرة جلبت خصيصاً لأعمال المسح، وبعد وصول آلات ومهندسي الحفر من البحرين بحراً، قرر الجيولوجيون في 30 أبريل 1935، بدء عمليات الحفر في حقل الدمام رقم 1 إلى الغرب من جبل الظهران، وسط ظروف مناخية وطبيعية ومعيشية غاية في الصعوبة، ومن ثم في حقول الدمام الثاني فالثالث فالرابع فالخامس فالسادس، غير أن كل أعمال الحفر هذه فشلت في العثور على النفط بكميات تجارية، بما في ذلك عملية الحفر إلى عمق مواز للعمق، الذي تدفق منه النفط في البحرين القريبة في عام 1932، الأمر الذي ساد معه اليأس فتقرر إيقاف أعمال الحفر، بل كادت الشركة الأمريكية صاحبة الامتياز أن تنسحب بعدما نفد صبرها وتكبدت خسائر بملايين الدولارات دون فائدة تذكر.

ولهذا السبب استدعت الشركة ماكس ستاينكي إلى مقرها الرئيسي في سان فرانسيسكو في أوائل عام 1938، حيث نجح في إقناع رؤسائه بفكرة مواصلة الحفر في الحقل رقم 7 إلى أعماق أطول بكثير من المعتاد، وصرف النظر عن فكرة الانسحاب نهائياً، وكما هو معروف في أدبيات النفط السعودية، فإن الزيت تدفق بكميات تجارية من حقل الدمام رقم 7 في الأسبوع الأول من مارس 1938، بعد أن تم الحفر إلى عمق 1440 متراً في طبقة أطلق عليها اسم «الطبقة الجيولوجية العربية». وفي نهاية مارس من العام نفسه وصل إنتاج الحقل المذكور إلى ثلاثة آلاف برميل يومياً، ليرتفع بحلول عام 1940 إلى 12 ألف برميل في اليوم، علماً بأنه بعد 45 سنة من استغلاله وبعد أن أنتج نحو 32 مليون برميل من الخام، تم إغلاق هذا الحقل التاريخي في عام 1982، وسرعان ما وجد ستاينكي دلائل على وجود النفط في مكان يبعد عن حقل الدمام بمسافة 50 كيلو متراً، فأمر بإجراء عملية الحفر في ما يعرف اليوم بحقل بقيق، الذي يختزن احتياطياً ضخماً من النفط يقترب من 12 مليار برميل.

نشأة وسمات

أما خميس بن رمثان المنحدر من قبيلة العجمان، وهي من قبائل شبه الجزيرة العربية المعروفة ذات الامتداد في مناطق السعودية والكويت وقطر، فقد ولد في حدود العام 1900 في الوادي الذي يحمل اسم قبيلته غرب الأحساء، وتحديداً في قرية «المليجة»، وعاش في الصحراء مرتحلاً على ظهور الإبل، فألقت الصحراء عليه بملامحها، فنشأ كغيره من أبناء البادية متميزاً بقوة الشخصية والذكاء والفطنة وتحمّل الحياة الخشنة، لكن الأهم من كل هذا كان اكتسابه مهارات معرفة مسالك الصحراء ودروبها شبراً شبراً، وكذا معرفة أوديتها ومواردها وقبائلها عن ظهر قلب، ناهيك عن مهارات الاهتداء بالنجوم للاستدلال على الطرق والمواقيت، وغير ذلك مما استمده من قيامه مراراً بقطع صحراء الربع الخالي من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، معتمداً في ذلك على قوة ذاكرته، أي من دون خرائط أو أجهزة تحديد المواقع. ولهذا أطلق عليه البعض لقب «بوصلة الصحراء التي لا تخطئ»، ولقبه البعض الآخر بـ«GPS الزمن القديم»، وسمَّاه آخرون «أسطورة الصحراء»، وأسماه غيرهم «صاحب الحاسة السادسة». أما رئيس شركة «أرامكو» السعودية الأسبق ووزير النفط السعودي لاحقاً المهندس علي بن إبراهيم النعيمي، فقد اعتبره مع ستاينكي من الشخصيات التي ألهمته في السنوات المبكرة من التحاقه بـ«أرامكو» كونه صبياً مراسلاً مكلفاً بنقل الملفات من مكتب إلى آخر.

اختيار

المنعطف الأبرز في حياة بن رمثان، والذي نقله من رجل بدوي أمي غير معروف إلى شخصية مشهورة تحتل موقعاً في تاريخ وطنه وتاريخ اكتشاف النفط في السعودية، كان في عام 1934، ففي تلك السنة بدأت «شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» فعلياً، عمليات التنقيب عن النفط في مناطق الامتياز، فاحتاجت إلى دليل ماهر، وطلبت من أمير المنطقة الشرقية آنذاك الأمير عبدالله بن جلوي (توفي 1936) أن يساعدها، فوقع اختيار الأمير على خميس بن رمثان، الذي كان وقتها يعيش حياته وسط عائلته وعشيرته في عمق صحراء الدهناء مترامية الأطراف بعيداً عن مظاهر الحضارة وهدير المكائن وضوضاء المحركات والسيارات. وهكذا حضر مندوب الأمير بن جلوي إليه طالباً منه الحضور فوراً للقيام بمهمة الدليل للبعثة الجيولوجية الاستكشافية الأمريكية، فلبى نداء الوطن، وبدأ عمله في استنطاق الصحراء مباشرة في عام 1934، قبل أن تقوم شركة «أرامكو» رسمياً بتعيينه موظفاً لديها بدءاً من عام 1942.

وقد جاء اختيار بن رمثان في وقت كانت فيه الشركة الأمريكية صاحبة الامتياز تمر في حالة يأس وقنوط من العثور على النفط كما أسلفنا، رغم امتلاكها أحدث أجهزة البحث والقياس والمسح. ومن هنا لم يؤمن الجيولوجيون الأمريكيون كثيراً بما لدى ابن رمثان من معارف فطرية حول الطرق والمواقع، لكن حينما جلسوا في حيرة من أمرهم طلب ابن رمثان منهم اختباره بالسير خلفه في طريق مستقيم، فساروا خلفه وهو على راحلته حتى أوصلهم للموقع المطلوب، وهكذا استطاع الجيولوجي الأمريكي الأشهر ماكس ستاينكي، بمساعدة ابن رمثان أن يعثر في الرابع من مارس 1938 على حقل النفط الشهير المعروف باسم «حقل الدمام 7»، والذي أمر خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، بإطلاق اسم «بئر الخير» عليه، كناية عن الخيرات التي جلبها للوطن السعودي، والنقلة النوعية التي أحدثها في مسيرة أمة بأكملها.

ولأن شركة «أرامكو» ظلت في حاجة إلى مشورته، فقد ظل بن رمثان في خدمتها حتى تاريخ وفاته بمرض السرطان في مستشفى الشركة بالظهران في يوم الأحد الموافق للحادي والعشرين من يونيو سنة 1959، فكانت وفاته خسارة كبيرة لوطنه، وللشركة التي أفنى حياته في خدمتها. وتقديراً لدوره أطلقت «أرامكو» اسم «رمثان» على حقل نفط جديد تم اكتشافه في عام 2009 على بعد 400 كيلو متر شمال غرب الظهران، كما أطلقت اسمه على أحد أجنحة معارض الزيت في عام 2015. علاوة على ذلك قامت الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري التابعة لـ«أرامكو» السعودية في سبتمبر 2017 أي وقت استلامها لرابع ناقلة نفط عملاقة من أصل خمس ناقلات تعاقدت على شرائها من شركة هيونداي الكورية للصناعات الثقيلة بإطلاق اسم «رمثان» عليها تخليداً لدوره وخدماته.

في ديسمبر 1957، أي قبل وفاته بنحو عامين، كان قد أكمل 15 عاماً متواصلاً من العمل مع «أرامكو»، فمنحته الأخيرة شهادة وجائزة، وقتها كتبت نشرة «الشمس والوهج Sun and Flare» الأسبوعية الصادرة عن «أرامكو» باللغة الإنجليزية كلمة عنه سردت فيه سيرته الذاتية وجانباً من خصاله، فقالت: «نظراً لقدرته على قياس المسافات بدقة متناهية، تمّ تعيينه من قبل الحكومة السعودية دليلاً، فكان أول دليل يدخل الخدمة الحكومية في المملكة. وفي عام 1934 كلفته «أرامكو» بقيادة قوافل الإمدادات من ميناء الجبيل إلى الظهران ومن الظهران إلى بقيق، وبعد أن تم توظيفه في «أرامكو» عام 1942 عمل مرشداً رئيسياً لفرق التنقيب. وبصفته تلك قدم لـ«أرامكو» خدمات لا تقدر بثمن، فقد كان حريصاً على تحمل كل مسؤولياته بأمانة، إذ كان يعرف جغرافية المملكة مثلما يعرف الطفل أمه، وفي مناسبات عدة أثبت للجميع معرفته بمناطق بلده بدقة أكثر من الخرائط، ولهذا كان ينظر إليه باحترام ويوقر من قبل زعماء القبائل وذوي النفوذ في البادية».

تأثير إيجابي

وأخيراً فإن العديد من الشخصيات يدخلون تاريخ أوطانهم من أبواب غير مألوفة، وغير متوقعة، لكن أسماءهم وصورهم تظل عالقة في أذهان الأجيال المتعاقبة لشدة تأثيرها الإيجابي في حياة تلك الأجيال ومجتمعاتهم. وابن رمثان أحد هؤلاء ممن يستحق تدوين وتوثيق سيرته وإسهاماته في التاريخ النفطي والاجتماعي والسياسي المعاصر لبلده، كونه أسهم في اكتشاف ما يعتبر اليوم عصب التنمية الأول في المملكة العربية السعودية.

 

تنويه

بعد نشر مقالنا الأسبوع قبل الماضي عن آل الزهير مؤسسي إمارة الزبير النجدية، وردتني اتصالات كثيرة من عدد من الأشخاص، كلٌ يحتج ويقول إن عائلته هي التي أسست وحكمت الزبير أولاً، ومنها اتصال من الصديق المهندس عبدالهادي الجويسر، الذي قال: إن أول حكام الزبير هو فراج الجويسر، وردي هو أنه في مقال صحفي محدود المساحة لا يمكن استعراض كل الآراء المختلفة والمتناثرة في كل المصادر التاريخية، وبالتالي فإن الباحث يرجح الرأي الأكثر تداولاً وتكراراً في تلك المراجع، وهو ما فعلناه، لذا وجب التنويه والاعتذار لكل من اعترض واستاء.

1938

هناك شهادة بمعرفة بن رمثان بالصحراء جاءت كإشارة من قبل الجيولوجي الأمريكي توماس بارغر (توفي 1986)، الذي انتخب في عام 1958 نائباً ومساعداً لرئيس شركة «أرامكو»، قبل أن يعين سادس رئيس تنفيذي للشركة من عام 1961 إلى 1969، فقد أورد بارغر في الصفحة 37 من كتابه Out in the Blue، والذي تمت ترجمته تحت عنوان «تحت القبة الزرقاء، رسائل من العربية السعودية 1938 ــ 1940» (دار برزان للنشر/‏‏‏2004)، النص التالي: «في الصحراء لا يتيه خميس بن رمثان أبداً، لأنه إضافة إلى حاسته السادسة، وهي نوع من البوصلة الدفينة التي لا تُخطئ، كانت لديه ذاكرة مدهشة، تمكنه من تذكر دغلة كان قد مرّ بها، وهو شاب أو اتجاه موقع بئر سمع عنه قبل عشر سنوات».

علاقة

ربطت بن رمثان علاقة قوية بكبير الجيولوجيين الأمريكيين ماكس ستاينكي، كونهما كثيراً ما سافرا معاً في مجاهل الصحراء، وقد أكد ذلك المهندس علي بن إبراهيم النعيمي في كتابه «من البادية إلى عالم النفط» (الدار العربية للعلوم ناشرون/‏‏بيروت/‏‏2016)، كما أكده توماس بارغر في الصفحة 286 من كتابه سلف الذكر (تحت القبة الزرقاء)، وأضاف أن بن رمثان جعل ستاينكي ذات مرة عاجزاً عن الكلام، وذلك حينما أخبره أن البدو في وادي الدواسر غيروا اسم جبل قصير غليظ في منطقتهم من «أم رقيبة» إلى «صبع ستاينكي»، بعدما شاهدوا إصبعه القصير، الذي كان قد بتر بعد إصابته بالتهاب. يقول بارغر معلقاً: «رأى ستاينكي في هذا التكريم رديفاً بدوياً لجائزة (سيدني باورز)، التي حصل عليها في عام 1951 من الجمعية الأمريكية لجيولوجيي البترول».

صفحة مُتخصّصة بالتأريخ الاجتماعي لمنطقة الخليج العربي

طباعة Email