الأسواق القديمة.. عبق الماضي وأريج الذكريات

للأمكنة والأزمنة شذا مميز، يألفه من عاش حقبة معينة في مكان معين، وفي الأسواق القديمة في مختلف إمارات دولة الإمارات، يضوع أريج الذكريات حاملاً نسائم الأصالة في التجارة والتسوق في ذلك الوقت، وقد احتلت الأسواق القديمة حيزاً كبيراً في ذاكرة المعاصرين لتلك الفترة في الإمارات، حيث لم تتغير طقوسها عن الحاضر، من ناحية الإقبال وازدحامها بالناس، مع الفارق في نوعية المنتجات المعروضة، فالهواء مشبع بروائح الزعفران والبخور والفواكه الاستوائية المجففة، ومتطلبات البيت الأساسية.

وكانت الأسواق التجارية الإماراتية تقع في الأغلب قرب شاطئ البحر؛ لارتباطها بالموانئ وعمليات توريد البضائع وتوزيعها وفي ذات الوقت كانت مقراً للقاءات الاجتماعية، ومرآة لحيوية المجتمع، والأسواق في مناطق الإمارات على اتساعها كانت تتشكل من مبانٍ حجرية، دكاكين من جريد النخيل وخيام مؤقتة، وكانت الأسواق في عمومها تشمل كل ما لذ وطاب مما سهل أمور الحياة على السكّان.

ذاكرة اقتصادية

والأسواق القديمة هي ذاكرة الدولة التجارية والاقتصادية، فعلى مقاعدها الخشبية، يدوية الصنع تم في الماضي إبرام الصفقات التجارية والاقتصادية، ومن أمام هذه الأسواق في ميناء خالد بالشارقة وخور دبي، شقت السفن الخشبية القديمة البحر لتصل إلى الجزر البعيدة وإلى الهند محملة بالبضائع ذهاباً وإياباً، والأسواق القديمة في دبي كانت ملاذاً للسياحة والحنين للماضي من أبناء الدولة والمقيمين على أرضها، فلهم فيها كثير من الذكريات في شراء الذهب والحُلي الفضية والبخور والأحجار الكريمة والكحل العربي والحناء، والأقمشة الحريرية الهندية وأشهرها «الساري الهندي» الذي كان يقبل عليه وقتذاك السياح الأجانب، ليحولوه قطعاً من الملابس لحضور السهرات والأعراس في بلادهم.

أسواق دبي

ويرجع تاريخ أسواق دبي القديمة إلى نحو عام 1850، حيث أقيم أقدم سوق تجاري بدبي وقتذاك، هو السوق الكبير أمام خور دبي، ويكتمل المشهد العريق بالسفن الخشبية «العبارة» والسفن الكبيرة التي تحولت حالياً لمطاعم من فئة الخمس نجوم، ويتميز السوق الكبير بدبي بتوافقه معمارياً مع المنازل المحيطة به، في مشهد تراثي موحد مازال عالقاً في ذاكرة أهل الإمارات والوافدين إليها، ويتميز السوق أيضاً بدكاكين صغيرة متراصة جنباً إلى جنب، يطل منها الباعة، ومعظم هذه الأسواق القديمة في دبي، بما فيها السوق الكبير، مغطاة بالأخشاب المزخرفة وبجذوع النخيل المشدودة بالحبال، وتغطي بالحُصر المتينة في الشتاء تجنباً من هطول الأمطار على البضائع، وكان يتخذ كبار السن هذه الأسواق للترويج لتجارتهم، وتُخصص لهم أماكن بالسوق للجلوس فيها تعرف حالياً بالمقاهي الشعبية التراثية التي كانت تشهد إبرام الصفقات والمعاملات التجارية.

ومن الأسواق القديمة في دبي حتى الآن والتي لا تزال تحظى بإقبال كبير «سوق مرشد»، وتخصص في بيع الأقمشة والفضيات والأعشاب العطرية الآتية من الهند وجنوب شرق آسيا.

أما محبو التحف والهدايا العريقة كالذهب والفضة والأخشاب المشغولة يدوياً فما كان عليهم إلا الذهاب لسوق الذهب، فجنباً إلى جنب مع الذهب والمجوهرات، هناك حوانيت صغيرة لشراء التحف والمرايا، وسوق المرايا بالإمارات قديماً يعرف باسم «سوق المناظر».

ولم يفت التجار قديماً إنشاء مقاهٍ عربية تقليدية شعبية بجوار الأسواق القديمة ليجد فيها المتجولون مكاناً لتناول الشاي والقهوة العربية بنكهة الهيل والزعفران، ويتميز سوق السمك بدبي وبجوار السوق وبداخله متخصصون من الباعة في تنظيف الأسماك وتقطيعها حسب الطلب، وآخرون يبتاعون الليمون والخضرة لإكمال الوجبة البحرية التي عشقها أهل الإمارات وما زالوا.

أسواق الشارقة

يعتبر سوقا العرصة والبحر من أقدم وأعرق الأسواق في دولة الإمارات، ويرجع تاريخ إنشائهما إلى 190 عاماً، ولا يزالان مزارين للسياح والوافدين وأهل البلاد بأعداد كثيفة.

وكان سوق العرصة وما زال المركز التجاري لكل ما يحتاجه البيت العربي، إضافة إلى أنه كان مركزاً لتجارة اللؤلؤ، وكانت تتم فيه الصفقات التجارية في أجواء جميلة، واشتهر سوق العرصة قديماً بالتبادلات التجارية في الفواكه كالموز والمانجو والتمور وأيضاً التبغ، وجميعها تأتي من الذيد ومسافي، وداخل السوق مقاهٍ كثيرة.. وهناك السوق الإسلامي وسمي بهذا الاسم من وحي شكل بنائه الذي يميل للعمارة الإسلامية الرائعة.

توثيق مهم

وبحسب د. عبد الله سليمان المغني، في كتابه «التجارة في الإمارات قديماً»، أهم سوق تقليدي في أبوظبي، بناه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وافتتح في 1958 في العين.

وينوه الكاتب إلى أن سوق أبوظبي كلّف أكثر من 100 ألف روبية، وتكوّن من 25 دكاناً في صفيّن متقابلين وتمت تغطيتهما، ومُنح للتجار من دون أي مقابل؛ وذلك لدعم الحركة التجارية في العين.

واشتهرت أسواق عجمان ببيع المواد الغذائية كالأرز والطحين والسكر وأنواع التمور، كما اشتهرت بالخبازين وصناع الحلوى وتجار الأقمشة والأثواب، أما سوق أم القيوين فتميز ببضائع ترده من العراق وعُمان والهند فتعددت محتوياته.

طباعة Email