أحمد رامي.. الشاعر العاشق لكوكب الشرق 1-2

ت + ت - الحجم الطبيعي

شعرت بالحرج والرهبة وأنا أهم بإجراء حوار مع شاعر عاش حياته عاشقاً، وكانت قصة عشقه واضحة للعيان رغم أن عشقه كان ميؤوساً منه رغم استمراره طوال حياته.

هذا الشاعر هو شاعر الغناء الأول أحمد رامي، الذي غنت له المطربة العربية الكبيرة أم كلثوم، رحمها الله، أكثر من مئة وعشر أغنيات.

لكنني لم أجد بدّاً من خوض التجربة والتحدث مع روح الشاعر بمنتهى الصراحة.

قلت: سلام عليك أيها الشاعر العاشق!

قال: وعليك السلام.. ماذا جئت تفعل؟ تريد أن تقلق سكون قبري؟

قلت: معاذ الله، بل جئت محباً معجباً بشعرك وبحياتك شاعراً.

قال: لكنك جئت تثير النار، ووصفتني بالشاعر العاشق.

قلت: ألست كذلك؟

قال: وهل هناك شعر حقيقي بدون عشق؟

قلت: إذن تعترف أنك عشت محبّاً لها.

قال: وهل هذا تحقيق جنائي؟

قلت: إنه وضع النقاط على الحروف.

قال: حسناً عشت أحبها، ولم أعشق غيرها.. وكل ما نظمته من شعر كان لها.. هل يكفيك هذا؟

قلت: ولماذا لا تصرح باسمها؟

قال: لأن اسمها هو الشمس.. والشمس لا تحتاج إلى هوية، إنها سيدة الغناء والشعر والثقافة والإنسانية والعدل والخير والمحبة.

قلت: أم كلثوم؟

قال: نعم.. إنها فاطمة السيد البلتاجي، المولودة في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية في 31 ديسمبر عام 1898.

قلت: أم كلثوم.. لقب جميل.

قال: أطلق عليها المحبون عدة ألقاب، فهي كوكب الشرق، سيدة العصمة، شمس الأصيل، الست فنانة الشعب، ثومة، قيثارة الشرق، وسيدة الغناء العربي.

قلت: لكنني ما جئت للتحدث عن أم كلثوم، بل عنك أيها الشاعر الكبير!

قال: سأختصر لك سيرتي الذاتية.

أنا أحمد رامي، ولدت في أغسطس 1892 لعائلة من أصول تركية، وكان والدي لا يزال طالباً يدرس الطب عندما ولدت، وما لبث والدي أن انتقل إلى جزيرة يونانية تدعى طاشيوز، وانتقلنا معه، لكنني عدت وحيداً إلى القاهرة في سن التاسعة، وأقمت عند عمتي لأتابع الدراسة والتحقت بمدرسة المعلمين، وتخرجت فيها مع اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914.

قلت: وما حكايتك مع دراسة الوثائق والمكتبات؟

قال: أرسلت إلى باريس لتعلم نظم الوثائق والمكتبات واللغات الشرقية، وتخرجت بشهادة الليسانس من جامعة السوربون.

قلت: تذكر صفحات سيرتك الذاتية أنك حصلت على كثير من الجوائز وشهادات التقدير.

قال: الحمد لله.. منحني بلدي مصر جائزة الدولة التقديرية عام 1967، ووسام الفنون والعلوم، ولا أنسى التكريم العظيم الذي قدمه الملك الحسن الثاني ملك المغرب، حيث قدم لي بنفسه وسام الكفاءة العسكرية من الطبقة الممتازة.

قلت: ألم يقم الرئيس السادات أيضاً بمنحك درجة الدكتوراه الفخرية في الفنون؟

قال: أيضاً هذه مكرمة منه لا تنسى.. لكن المكرمة التي منحني إياها، وكانت بالنسبة إليّ هي الأهم، هي حضوره الشخصي في مأتم حبيبتي أم كلثوم، التي رثيتها أمامه وبحضور الملايين في أجهزة الإعلام العربية والعالمية، ويومها بكيت وأبكيت الجميع.

قلت: لماذا توقفت بعد وفاة أم كلثوم عن الكتابة؟

قال: لأنني لم أكتب إلا لها، فحين غابت غاب الشعر معها.

قلت: حزنت؟

قال: كلمة لا تعبر عن الواقع، أنا لم أحزن، بل توقفت عن الحياة، لم أعش طويلاً بعدها، توفيت حبيبتي أم كلثوم في عام 1975، في الثالث من فبراير، بينما كانت وفاتي في الخامس من يونيو 1981.

قلت: لندخل إلى عالمك الشعري.. متى بدأت تنظم الشعر، وما الذي دفعك إليه؟

قال: منذ بداية دراستي في دار المعلمين اطلعت على الحركة الشعرية التي بدأت في مصر مع أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وتم نشر ديواني الأول قبل رحلة باريس 1923.

قلت: هل تلقي بعض أبيات قصائدك الأولى؟

قال: رغم التطور الذي عرفه شعري بعد رحلة باريس الدراسية، إلا أن القصائد الأولى لها ذكريات عميقة ومكانة خاصة في القلب، لأنها تسجل زمن البدايات.

كان الحب الأول الذي شعرت به كشاب مصري عربي هو حب الوطن، فقلت:

يا مصر أنت كِنَـانَـةُ الرَّحمنِ

في أرضهِ مِنْ سَالِفِ الأَزْمَـانِ

ساعد بلادك يا ابن مصر ونيلها

واهتف بها في السّرّ والإعلانِ

قلت: كم كان عمرك عندما قلت هذه القصيدة؟

قال: خمسة عشر عاماً.

قلت: إذن أنت شاعر منذ طفولتك.

قال: هذا عطاء الله.. ولله في خلقه شؤون.

قلت: ماذا أفادتك رحلة الدراسة في فرنسا عام 1923؟

قال: في فرنسا درست المكتبات واللغات الشرقية، وعدت منها محملاً بخبرة كبيرة واطلاع واسع.

قلت: رشح لنا إحدى قصائدك الأولى لقراءتها.

قال: اذكريني.

اذكريني

اذكريني كلما الفجر بدا

ناشراً في الأفق أعلام الضياء

يبعث الأطيار من أوكـارها

فتحييه بترديد الغناء

قد سهرت الليل وحدي

بين آلامي وسُهدي

وانجلى الصبح وهلَّا

وانطوى الليل وولَّى

فتذكرت الذي كان وراحا

حين أفنيناه أنساً ومراحا

وجرى دمعي من فرط حنيني

فارحمي قلبي وحني واذكريني

اذكريني كلما الطير شدا

مرسلاً في الدوح ألحان الصفاء

ينصت الزهر إلى أنغامه

فيحييه ببشر وانحناء

قد ظللت اليوم أبكي

من أسى دهري ومنك

وشدا الطير وغنى

وتناجى وتهنى

فتذكرت الذي طاف بسمعي

إذ مزجتُ الكأس في كفي بدمعي

وهفا قلبي من طول أنيني

فارحمي دمعي وحني واذكريني

اذكريني كلما الليل سجى

باعثاً في النفس ذكرى الأوفياء

يعرض الماضي ويجلو صفحة

أشرق الإخلاص فيها والولاء

قد سقيت الحب ودي

ورعيت العمر عهدي

وبدا لي ما ألاقي

من تباريح الفراق

فتذكرت ليالينا المواضي

بين صدٍّ وتجنٍّ وتراضي

واشتكتْ روحيَ من نار شجوني

فصِليني بالتَّمَنِّي واذكريني

 

أديب مصري ولد في 1892 وتميز بقصائده العذبة

كتب الكثير لمعشوقته أم كلثوم وغنت له 110 أغنيات

شهدت أشعاره نقلة كبيرة بعد رحلة دراسية طويلة إلى باريس

 
طباعة Email