هل تحرق الرقمنة «الكتاب الورقي» ؟

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

منذ عقد أو أكثر، كان هناك مشهد روتيني يتكرر يومياً، لم يعد في الوارد أن نراه هذه الأيام؛ ذلك هو مشهد التجمّعات حول أحد متاجر بيع الكتب، نتيجة وجود حفل توقيع لأحد الكتّاب الكبار، أو أن نجد شاباً وفتاة، يحملان عدداً من الكتب التي تخص شغفهما الثقافي، في لفتة مميزة تجاه حب الكتب ورائحة ورقها الخاصة المميزة، وكذلك غابت عادة السهر ليلاً على أنغام الموسيقى الهادئة للاستمتاع بالرواية الورقية. ولكن مع اختلاف الأوضاع، بدأت الكتب الورقية في الابتعاد عن الأيدي شيئاً فشيئاً، لتأخذ مكانها الكتب الإلكترونية والأجهزة الخاصة بها.. وبذلك، يبرز السؤال: هل تحرق الرقمنة الكتاب الورقي، وتحيله على التقاعد؟ أم إن الأخير سيقوى على الصمود؟

ظهر جلياً وفقاً لمسح أجراه «مركز بيو للأبحاث» في الولايات المتحدة الأمريكية، حول استهلاك الكتب، أن الطباعة والنشر التقليديين لا يزالان من بين أكثر أشكال القراءة شيوعاً لكل من البالغين والأطفال. وتضمّن المسح الإحصاءات التالية: أولاها أن نسبة البالغين في الولايات المتحدة الذين قرأوا كتاباً بصيغة ما خلال العام الماضي قد بلغت 72 %، بينما قال 65% من أفراد العينة إنهم قرأوا كتاباً خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وأكد 37% من الأمريكيين أنهم يقرأون الكتب المطبوعة فقط. أما من قالوا إنهم يقرأون الكتب الورقية والإلكترونية معاً فبلغت نسبتهم 28%. وأخيراً، فإن نسبة من أقروا بأنهم يقرأون الكتب الإلكترونية فقط لم تتجاوز 7%. وهذه الإحصائية كاشفة جداً لمدى شعبية الكتاب الورقي رغم المنافسة الشديدة من الوسائط الجديدة.

معيار المبيعات والأسعار

في مقابل ذلك، يذكر عدد من القائمين على منصات عرض الكتب إلكترونياً إنه بحلول عام 2022، ومرور دول العالم بأكثر من أزمة اقتصادية وعالمية والتي كانت بدايتها عام 2020 وانتشار فيروس «كورونا»، أصبح الكتاب الإلكتروني أكثر انتشاراً، وزادت مبيعاته، وزادت أيضاً التطبيقات الإلكترونية التي تهتم به على حساب اندثار المطبوعات الورقية.

أسعار الورق

وفي ذلك، قال د.أحمد السعيد، خبير التبادل الثقافي ومؤسس بيت الحكمة، إن ما يشهده سوق النشر، ليس فقط ضعف إقبال القراء على شراء الكتب الورقية، بل أيضاً ارتفاع سعر الورق، الذي زاد بمقدار الضعفين هذا العام، فزادت كلفة الكتاب الورقي، في الوقت الذي تأثرت مبيعاته بالحالة الاقتصادية الراهنة. وهو الأمر الذي سيضطر في وجهة نظري ما لا يقل عن ثلث الناشرين إلى الإغلاق، أو التوقف التدريجي عن النشر، وثلث آخر سيظل يتماسك ويجرب مع تقليص النفقات والاستغناء عن بعض موظفيه وتقليل عدد الطبعات أو اللجوء إلى أسلوب الطباعة بالطلب وهو ما بدأ يحدث بالفعل، والثلث الأخير سيتجه إلى النشر إلكترونياً وصوتياً فقط ومحاولة التكسب من تطورات العصر والنشر الرقمي.

وأضاف: العالم وخاصة المنطقة العربية سيشهد ارتفاعاً جنونياً في أسعار الكتاب الورقي، الذي سيصبح من الرفاهيات الثانوية وليس الأساسيات، وأن هذا يهدد المعرفة وانتشارها وتوارثها ويقلل من منصات ونوافذ الإبداع ويعطي مساحات أكبر لتأثير السوشيال ميديا.

وأوضح إن الكتاب الرقمي إلكترونياً وصوتياً يواجهان تحدياً آخر كبيراً وهو تعوّد القراء التقليديين على ملمس الورق وإحساس القراءة في كتاب مطبوع، وفي حالة عزوفه عن شراء الورقي بسبب تكلفة الطباعة، فيمكن أن يكون الخيار الرقمي من نصيب نصفهم فقط، والنصف الآخر للأسف يمكن أن يقلل من قراءته أو مشترياته. كما أن ارتباط القراءة الرقمية والصوتية بجيل الشباب، سيغير من خريطة وتضاريس توجهات القراءة.

عقبات الكتب الرقمية

فيما أوضح شريف بكر، عضو الاتحاد الدولي للناشرين، أن الكتاب الإلكتروني فرصة جيدة في ظل ارتفاع أسعار الورق واختفائه، وعدم وجود توزيع ووجود مشاكل في إصدار الكتب من جهة الرقابة وما إلى ذلك، وبالتالي فهو حل كبير لحل العديد من المشكلات التي صناعة النشر بكافة أطرافها.

وأوضح في تصريح خاص لـ«البيان»، أن هناك مشكلتان تواجهان الكتاب الإلكتروني وتمنعه من الهيمنة على سوق النشر والقراءة في الوقت الحالي، وهي أن ثقافة القراءة الإلكترونية بلا جمهور تقريباً، سواء من خلال عدم معرفة تطبيقات الكتب الإلكترونية ضعيفة الرواج أصلاً، أو بسبب عدم التعود على القراءة عبر جهاز إلكتروني، إلى جانب عدم تحمس الناشرين إلى توفير إصداراتهم عبر منصات القراءة الإلكترونية، بسبب عدم جاهزيتهم من الناحية الإلكترونية، كما أن مردود الكتاب الورقي لا تزال أفضل.

منصات

ومع وجود أكثر من منصة لعرض الكتب إلكترونياً سواء كانت بمقابل مادي مثل «أبجد»، ومجانية مثل «هنداوي»، ومسموعة مثل «Audible»، جاء تعليق إسلام حسني، أحد مؤسسي منصة هنداوي للكتب الرقمية، الذي أكد أن هناك ازدياداً في معدلات قراءة وتحميل الكتب الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ.

وأكد لـ«البيان»، أنه طبقاً لما يُلاحظ على منصات عرض الكتب إلكترونياً، من عدد مرات التحميل للكتب والمنصات الإلكترونية الأخرى الخاصة بالمواد التثقيفية وانتشارها، نجد أن الكتب الإلكترونية سواء المسموعة أو المقروءة، هي المستقبل القادم للكتب بأنواعها، وأنه على دور النشر التعامل مع هذا الواقع.

أدوات وتطبيقات

وأشار أيضاً إلى انتشار أدوات وتطبيقات القراءة الإلكترونية مثل جهاز كيندل وغيره، التي أصبحت متاحة بشكل أكبر من ذي قبل، وأسعارها كأسعار الهواتف المحمولة.

وفقاً لجمعية الناشرين الأمريكيين، انخفضت مبيعات الكتب الإلكترونية في الولايات المتحدة بشكل طفيف إلى 983 مليون دولار في عام 2019، وجاء معدل النمو المنخفض بعد سنوات قليلة من التراجع المزدوج في مبيعات الكتب الإلكترونية.

وذكرت الجمعية الأمريكية: «لا تزال كل من الكتب ذات الأغلفة الورقية الصلبة تسيطر على السوق؛ حيث بلغت مبيعاتها نحو 3 مليارات دولار و2.5 مليار دولار في عام 2019».

منافسة

بالنظر إلى أرقام مبيعات الكتاب الورقي، يتضح أن الكتاب الرقمي لن يكون قادراً على إخراج الكتاب الورقي من المنافسة، وقد يكون هناك بعض الارتباط بين الطرفين، وبالتالي فإن الكتاب الورقي سيظل له الكثير من المعجبين الذين لا يستطيعون التخلي عنه بسهولة، خاصة للقراء في منتصف العمر، الذين نشأوا وهم يقرؤون الكتاب والمجلات الورقية، مهما زادت مبيعات الكتاب الرقمي، وزادت مزاياها.

 

طباعة Email