جمع الموروث الفني.. حفظ لمفردات الماضي

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

مما لا شك فيه أن العناية بالتراث أصبحت مسألة تكتسب أهمية قصوى نادى بها حتى أولئك المنتمين إلى أكثر الأوساط تشبثاً بالتجديد وثورة على القديم، لأن التراث لم يعد مجرد شهادة على ما حققه الماضي وحسب، بل هو شهادة على ما يحققه الماضي للحاضر، وما يمكن أن يحققه الحاضر للمستقبل. ومن حسن الطالع إن كثيرين باتوا ينظرون إلى أخبار آبائنا وأجدادنا على اعتبارها قيمة أكبر من الكنوز واللآلئ.

ومع هذه النّظرة الإيجابيّة إلا أنّ الشيء الوحيد الذي يهب للمبادئ والأفكار جَمالاً مطبوعاً أصيلاً، وإشعاعاً رزيناً ثريّاً هو الدراسة العلميّة لهذه المبادئ والأفكار ووعيها وعياً تامّاً عميقاً، خاصّة إذا أدركنا أنّ الاسترخاء والتأمّل الطويل ربما يعجّل بتفلّتْ الذّكريات من الذّاكرة حتى تصبح أجمل الأشياء هي في محطّ النسيان والإهمال.

وفي لحظة العمل على جمْع الموروث الفنّي فإنّ النّاس بالتالي يساهمون في صنع تراثهم، ويشعرون بوجوده في دواخلهم ونفوسهم. وما أجمل أن يتذوّق الإنسان التراث فيتوجّه نحوه بفضولٍ حنون، لأنّ التراث ليس ماضياً، بل هو حاضر متفاعل في حياة المجتمع متداخل في نفوس أهله.

بين الماضي والحاضر

يجب الخروج بقضيّة التراث من كونها قضيّة الماضي لذاته أو كونها إسقاطاً للماضي الزاخر على الحاضر المحبِط، إلى كونها قضيّة الحاضر نفسه من وجهة كونه حركة صيرورة تتفاعل بداخلها منجزات الماضي وممكنات المستقبل تفاعلاً ديناميّاً صاعداً، بمعنى أنّ النّظر إلى التراث من منظور فلكلوريّ معاصر يمكّننا من إعادة امتلاك هذا التراث على أساس جديد تتكوّن عناصره المعرفيّة والفكريّة من مجموع العناصر الحيّة والمحرّكة لعمليّة بناء الحاضر المعاصر.

الاهتمام بالموروث الإماراتي

لم يعد الاهتمام بتراث الإمارات بسبب كونه جزءاً من الهُويّة الوطنيّة فحسب، بل على اعتباره عامل وحدة بين أفراد المجتمع الواحد، وهو في كلّ الأحوال يبقى ركناً أصيلاً ومتجذّراً في مكوّنات هذه الهُويّة.

والتراث في الوقت نفسه هو امتداد السّلف في الخلف، واستمرار مآثر الأجداد في الآباء، ومناقب الآباء في الأبناء والأحفاد. ومن المؤكّد أنّ التراث الشّعبي على صلة بالماضي العميق، وهو في الآن نفسه يمثّل الماضي المحاوِر للحاضر حول المستقبل.

وبلا شكّ فإنّ الاحتفاظ بالتراث الوطني بات ضرورة ملحّة خاصّة أنّ حيوات الآباء والأجداد التي قضوها على هذه الأرض لا تزال آثارها ماثلة أمام أعيننا الآن، إلا أنّها سرعان ما تلبث أن تصبح من ذِكريات الماضي، ولذلك لم يبقَ من الوقت إلا القليل لجمْع شواهدها وأعلامها للأجيال النّاشئة قبل أن تتلاشى في بطون العدم، وتصبح نسياً منسيّاً.

ومن اللفتات الدّالّة على تلك الصلة ما ورد في مرسوم تشكيل: اللجنة العليا لِتراث وتاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة، الصادر في غرّة جمادى الأولى 1396 هــ الموافق لــــ31 مارس 1976، حين نصّ على أنّ مَهمّتها: صيانة تراث الدّولة ورصْد تاريخها من مصادره الأصليّة ودراسته والعمل على نشره.

وفيه أنّه: على اللجنة الاستعانة بأبناء البلاد الملمّين بتاريخها. ومن الفقرة الأخيرة نستوحي ضرورة التواصل مع نَقَلة التراث قبل فقدان ما لديهم من مخزون تراثيّ قيّم. وهي لفتة جليّة توحي بضرورة مسابقة الزمن في تدوين وتسجيل الأخبار والأقوال والفنون.

وهذا ما ألمح إليه الشاعر والأديب الكبير حمد بن خليفة بوشهاب (رحمه الله) في قوله: إنّ «بين طيّات تراثنا الكريم كنوزٌ قيّمة، وجواهر غالية نعتزّ بآثارها ونفتخر بمآثرها». وهذا يدلّ على أنّ التراث ليس ترفاً نملك أن نعرض عنه إعراضاً أو نقبل عليه إقبالاً، بل هو قِيم تمكّننا من أن نخوض معركة الحضارة. وبالتالي علينا البحث عنها وتسجيلها وتدوينها.

ومن هنا كان لزاماً على الباحثين في التراث المبادرة في الكتابة فيه والبحث عن مكنوناته بأيدٍ خبيرة، وعينٍ فاحصة، وأمانةٍ جليّة، وجهدٍ كبير يقدّم صورة حقيقيّة لتراث الإمارات. مع الالتزام بالدّقّة والاعتماد على المصادر والمراجع الموثوقة والأسلوب العلميّ الرصين.

الدعوة المتواصلة

لا تفتأ الدعوة إلى التدوين الموسيقي وتوثيق الآثار الموسيقيّة التراثيّة تتجدّد بين الفينة والأخرى للحفاظ على خصوصيّة هذه الآثار، وعلى طابعها العمليّ المسموع، واعتماد التدوين ليكون عاملاً مساعداً فقط مع الرجوع إلى الأصل كلّما أمكن.

وهي دعوة قديمة حديثة لا تكاد تخلو منها فترة زمنيّة، ولكنّها تخبو أحياناً نتيجة للظروف والأحوال المحيطة ثمّ سرعان ما يرتفع أُوارها عالياً حين تتهيّأ الظروف وتطيب الأحوال، وتظهر مستجدّات على الساحة الثقافيّة والفكريّة، وحين تتحصّل على دعم سخيّ من المؤسّسات والهيئات والمعاهد المختصّة بالتراث نشْراً ودراسة وتحقيقاً، وحين تتوافر الجدّيّة والمصداقيّة لدى الباحثين في الميدان نفسه.

النقل الشفاهي

من الملاحظ أنّ التراث الشفهيّ هو الأكثر عرضة للضياع والفقْد لأنّ وجوده مرتبط بِمَن يحفظه ويردّده، وبالتالي حينما يُفقَد حَفَظَة وحَمَلة هذا الموروث، يُفقَد الموروث نفسه. ومع ذلك يعتبر الفلكلور صدى للماضي، وهو في الوقت نفسه صوت للحاضر المدوّي.

ولهذا فإنّ الفنون الموروثة عن الآباء والأجداد سوف تندثر إذا لم نحافظ عليها لأنّ الحفاظ على استمراريّة التراث الفنّيّ في تعبيراته الحيّة سِمة تتّصف بها المجتمعات المتحضّرة.

وتعبّر هذه الفنون عن الجمال الموسيقي المرتبط بالشّعور بالموسيقى والإحساس بها. وأنّ الجمال في الفنّ الموسيقي ليس مصدره قواعدها الموضوعة، وعِلم صياغة الألحان، والانسجام الصوتيّ، وإنّما الجمال في الموسيقى موطنه النّفس، وقراره الروح، وأداته التجارب ذات الصلة.

وبمجرّد الاهتمام بجمع المأثور الفنّيّ الشّعبيّ بأنماطه المختلفة هو نوع من الوعي الجماليّ الذي يوقظ الإحساس بالقِيم، وهو وعي يجب أن يسُود ويشيع بين المثقّفين وعامّة النّاس حتى تتحقّق له الريادة والتكامل بين الجمْع والوعي.

وما يترتّب على هذا الجمْع هو حماية المأثورات الشّعبيّة بما فيها من فنون وأنماط، وتقديمها للنّاس ليستفيد منها كلّ إنسان أراد التعرّف على مكنونات هذه الفنون وطرق أدائها. مع الحفاظ عليها ونقلها من جيل إلى جيل.

تنوّع البيئات

إنّ تنوّع البيئات يؤدّي إلى تنوّع الفنون، وتعدّد أنماطها وأشكالها. ويغلب على الباحثين في هذه الفنون الطابع الفرديّ من حيث الجمع والتسجيل مع بعض الدعم من قِبل الهيئات والمراكز المتخصّصة في التراث والثقافة. خاصّة أنّ العادات والتقاليد والموسيقى الشّعبيّة لم تدوّن أجزاء منها بل تناقلها النّاس عَبر الأجيال، ولا يتمّ ذلك إلا برعاية شاملة من الدولة.

ومثل هذه اللقاءات تأتي ضمن تتبّع المأثور الفنّيّ في بيئته ومع حَمَلته وبين أهله، ومع لهجته الأصليّة، فهناك تتمّ المحافظة عليه داخل بيئتها الثقافيّة، وفيها تُصاغ وفق نموذجٍ ثقافيّ محدّد ومعيّن، وفي الوقت نفسه فإنّ اقتطاع المأثور من سياقه هو شكل من أشكال البتر، ولهذا أيضاً فإنّ إدراك المأثور يتطلّب البحث عنه في إطاره الثقافي والفنّيّ الذي تسبّب في وجوده وترعرعه.

كما أنّ البحث عن الرواة المؤهّلين للحديث عن المأثور الفنّي يجب أن تتوفّر لديهم المقدرة والقدرة والإمكانيّة في الحديث عن هذا الموضوع خاصّة أولئك الذين يعيشون في بيئات المأثور نفسه.

البنية والأركان

يتألّف الموروث الشّعبي من بنية مركّبة متعدّدة المداخل والمجالات، وتعتبر أساليب الفنون والآداب الشّعبيّة ركناً رئيساً فيها. وما يُقام به من دراسات ميدانيّة تندرج ضمن المنهج الوصفيّ التحليليّ الذي يعيد قراءة المكتوب ويحلّله، ويتضمّن في الوقت نفسه إجراء المقابلات وجمْع الموروث الشّعبيّ من أفواه المؤدّين الفنّيّين الشّعبيّين.

ونكون بذلك قد ساهمنا في أحياء تراثنا الشّعبيّ، وبعْثه من جديد في عصر السماوات المفتوحة، والتطوّرات الهائلة في ميدان التواصل الاجتماعي. وربط الأجيال النّاشئة بفنون الجيل الماضي. وفي الوقت نفسه تقديم لمسة وفاء وتقدير للأجداد والآباء الذين خالطوا تلك الفنون عملاً وأداء وحركة وغناء وتنفيذاً.

ولها يجب أن يكون جهد إعادة الموروث الشّعبيّ لمكانه الطّبيعي في التاريخ الثقافيّ الوطنيّ جهد مشترك بين المؤسّسات والمثقفّين وحَمَلة التراث أنفسهم. ويجب الاهتمام بالموروث الشّعبيّ طالما أنّ له آثاراً ملموسة على السلوك وأنماط الفكر على المستوى الجمعي.

مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الفنون الشّعبيّة الإماراتيّة ربما تتشكّل في مظاهر أداء مختلفة تبعاً لتنوّع البيئات المؤدّاة فيها، واختلاف جنس المؤدّين أنفسهم أو حتى بحسب أعمارهم، وأوقات إقامتها وأدائها وحركات مؤدّيها الجسديّة التي تتناغم مع الآلات والإيقاع.

كما أنّ مفهوم التوثيق، وخاصّة التوثيق الميدانيّ لا ينحصر في مجرّد جمع المعلومات حول موضوع معيّن بل هي عمليّة توثيقيّة كتابيّة في مقابل التوثيق الشفاهي، تضمّ أنماطاً مختلفة من التوثيق في آنٍ واحد.

كما أنّ صون الموروث الغنائيّ يمثّل أحد أبرز المهام الحضاريّة على صعيد توثيق الماضي وعرضه على الحاضر، والاحتفاظ به للمستقبل على اعتبار أنّ الفنّ الشّعبيّ الإماراتي ليس مجرّد ذاكرة ثانويّة بل هو من أسس البناء الاجتماعي والثقافي، وأحد أعمدة الذّاكرة الجمعيّة للمجتمع.

ولا يتأتّى جمْع ذلك كلّه إلا بدافع من الحبّ للتراث وأهله وناقليه، وإدراك قيمته الفنّيّة العظيمة، وأنّه لذلك خليق بأن يُبذَل في سبيله كلّ جهد. وأَلّا تحول بين عاشق التراث وبين حامِليه المشقّة، والغفار، ومهاوي الوديان، وسفوح الجبال.

 

طباعة Email