سارة عابدين بين التحولات الشعرية وأسئلة الحياة

المرأة التي نظرت في المرآة حتى اختفت

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تكتب سارة عابدين «أنا ممتلئة بي أكثر مما يظن من حولي»

وهكذا علينا أن نقرأ هذه النصوص التي أسست ديوانها الأخير المعنون بـ(المرأة التي نظرت في المرآة حتى اختفت) سارة عابدين، الشاعرة والفنانة والإنسانة وهي نفسها الأم والزوجة والابنة والجارة، التي لا تعاني تشظياً في شخصيتها ولا صعوبة من أي نوع في آليات التعبير عن نفسها، لا خجل ولا ندم، تكتب بلا افتعال أو تصنع استعاراتها حقيقية حتى وإن قصدت الاختباء وراءها لمداراة هدير الألم الذي يطحنها منذ زمن طويل يتجاوز زمن المرض.

ترى أن الحياة مجاز كبير، ستنتهي قريباً جداً، لكن المعاناة والألم حقيقة مستمرة عند سارة، وهنا في نصوص الديوان مجتمعة تعبر عن ألمها ونفسها وعن الوحدة والخوف والموت والعالم الذي يحيط بها بمنتهى الوضوح والتلقائية القريبة من الثرثرة، كما تصفها عندما تتحدث عن سيلفيا بلاث الشاعرة التي تشعر أنها ليست قريبة منها فقط ولكن كأن هناك قواسم ألم ومعاناة وإنهاكاً روحياً مشتركاً بين المرأتين الشاعرتين، ولقد عانت بلاث ما عانت لكنها حين لم تحتمل أكثر أنهت حياتها في لحظة سعي للخلاص من الألم لا تختلف كثيراً عن لحظة فرجينيا وولف أبداً، تاركة حولها عالماً من الأسئلة: أسئلة الفشل وعذابات الشعور بالخيبة وزوج متهم بضلوعه في معاناتها.

سارة الحالمة التي تعي تماماً ما حولها وتتعامل مع تفاصيله كلها بحساسية مفرطة حد الصدام، وهي تعترف بذلك (ابنة حارس العمارة تظنني متواضعة، أغلقت الباب في وجهها عندما تأخرت في الرد علي!) 

لا تجد سارة غضاضة في الانقلاب 180 درجة خلاف ما يظنه بها الآخرون، ولا تتحرج لكونها مصدر خيبة لمن حولها: والدتها، صديقاتها، جيرانها وبناتها اللواتي لا تجيد نصحهن، وهذه هي تعيش وتواجه الحياة كل يوم. 

وهي تذهب إلى الأحلام، لأن (في الأحلام كل شيء ممكن، أقذف ذكرياتي المؤلمة في البحر

فتغدو أسراباً من الأسماك الملونة..).

هكذا تحول سارة هواجسها ومخاوفها وآلامها إلى أحلام لتتخفى مما بها، ولتقاوم الواقع الصعب الذي خيب آمالها!

ماذا يعني الحلم بالنسبة لسارة؟ إنه المعادل الموازي للخلاص، للهروب وخلق واقع أكثر رحمة، إنه طريقة أخرى لتغيير مسار حياة منهكة لا سبيل للنجاة منها إلا كما نجا زملاؤها الشعراء الذين يحضرون بقوة في نصوصها، وهي قد قررت أن لا تختار طريقتهم، ولكن لا بد من الخلاص!

لذلك اختارت أن تغير تاريخ خوفها عبر أحلامها لتنقذ روحها من عذابات الواقع وإخفاقاته وعبثه: المرض، الخوف، الموت، تحديات الأمومة، مواجهة الخيبات وما يريده الآخرون، بدءاً بسائق التاكسي وصديقاتها ووالدتها وسلحفاتها وبناتها، فانتهى بها الأمر إلى أن نبذت حتى القضايا الكبرى وسخرت منها!

تكتب سارة نصوصاً حقيقية جداً، لتكون مراياها التي ترى فيها حقيقة روحها وعلاقاتها بمحيطها، وتكتشف حقيقة الحياة حيث هي انعكاس لما نفعله في الواقع تماماً مثل روحها التي تعكسها مرايا النصوص.. فلا شيء يبدو مقحماً أو مستعاراً، كل شيء عند سارة حقيقي وهذه النصوص ما هي إلا طريقتها لتمنحنا حقيقتها ولتختفي بعد ذلك، فلا شيء سيكون مهماً بعد الحقيقة.

وحين تدخل في عالم أحلامها ستختار تجسيدات وصوراً أكثر جمالاً وخفة تنقذ بها روحها من وطأة الحياة التي عاشتها في ظل اليقظة المليئة بالألم والخوف والوحدة والعنف الذي يسربل الكوكب، بهذا ستتخفى تماماً من الخوف والندم، عندها ستجد نفسها تعيش (هكذا بلا أخطاء تذكر) كما تقول. فالحلم كالكتابة آليات استشفاء واعية لدى سارة.

بعد (صباح الخير) التي تعلقها لنا عند المدخل قبل أن نهم بالقراءة، تعترف الكاتبة وبلا تنميق أو فذلكة (أنا سارة، ساذجة وبلهاء، وبالرغم من ذلك أفهم الدعابات) وعليه تطلب من قرائها أن يمرروا لها رسائلها / نصوصها، فلا يتركوها تنتظر طويلاً كي لا تتكدس المسافة بين السماء والأرض!

تستحضر سارة في نصوصها أسماء ذات إحالات عميقة المعنى وتتقاطع بالتأكيد معها في نقطة ما، أسماء عانى أصحابها حياة جحيمية بمعنى الكلمة، ووصف مقصلة الألم الذي لا يرحم ليس فيه أية مبالغة: فمن عذابات السعي وراء الحرية ومقاومة النازية وموقف والدية والأمراض المهلكة التي نهشت جسده ومن عذابات الحرب العالمية والتجنيد والحب والفراق ولم الشمل بحبيبته غالا وتلك الرسائل المؤلمة التي كتبها لعائلات الجرحي في فترة تجنيده يقتحم بول إلوار شاعر الحرية أحلامها في الوقت تفكر هي في ميلان كونديرا الساخر الكبير الذي خبر الحياة ووصفها بأنها ليست أكثر من حفلة للتفاهة، ومن عمق الاكتئاب والخوف والشعور المضني بالخيبة وبعدمية الأشياء وعبث الحياة يبزغ اسم الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث، لقد كتب هؤلاء وعانوا وثرثروا وسخروا كي يعبروا الخط الفاصل بين الألم والبقاء وليس الحياة لأن الحياة منال صعب لا يجرؤ كثيرون لا على القبض عليه ولا النجاة منه ولذلك استحضرتهم. 

وهي إذ تصف نصوص سيلفيا بلاث بالثرثرة الضرورية إنما تشير لرسائلها هي التي تراها ليست سوى (ثرثرة) ضرورية هي الأخرى لاحتمال حقيقة الحياة.

(الرحلة طويلة يا سيلفيا)

أعرف تلك اللحظة التي ندرك فيها الحقيقة

أن الحياة ليست لعبة، وكل الأشياء من حولنا حقيقية

أكثر مما نحتمل، وأن صورتنا في المرآة في نهاية الأمر

ليست سوى انعكاس ساذج لما نفعله في الحياة)

تؤمن سارة بأن الحياة  تعاقب أناساً لا ذنب لهم، أناس يحرمون من رؤية القمر ومعرفة وظيفته وأهميته لأنهم لا يعرفونه، ولم يمنحوا أية فرصة لتأسيس علاقة معه ذات يوم، بينما تكافئ الحياة آخرين لا ميزة لهم سوى أنهم أشرار، يبيعون كل شيء أجسادهم وأرواحهم للشيطان، ومع ذلك يرون القمر ويستمتعون بالمباهج، أما أنا تقول سارة (أنا هنا، ليس هناك أسوأ من دائرة العقاب التي تنغلق حولي في نهاية كل عام، لتؤكد لي «أنا هنا، أنت هنا»

وكأنها تردد صدى قانون العود الأبدي لفريدريك نيتشه!

تدرك سارة بوعيها الحاد والواضح حقيقة أن الحياة ألم متصل وليست بهجة متاحة على قارعة الطريق، وأن ما نعيشه ونعانيه ليس كابوساً سنصحو بعد قليل بل هو حقيقة طويلة الأمد الناجون منها بأعجوبة هم الذين ماتوا على حد تعبير محمود درويش !

أما المرأة / سارة التي نظرت في المرآة بقوة ووعي فقد رأت انعكاس الحقيقة ليس أكثر، تلك الحقيقة التي نسهم في صنع جزء كبير منها بأيدينا!

هناك ألم مضنٍ يمس روحك وأنت تقرأ نصوص سارة عابدين الشعرية، ألم ناتج من معاناة حقيقية عبرتها بعد مرضها الذي عانت منه كثيراً وأثر في رؤيتها ولغتها وتحولات الرؤى الشاعرية لديها، يظهر ذلك في اعتنائها بالتفاصيل اليومية في مشاهد مكثفة لا تخلو منها صفحة، وبلغة قريبة للنفس ومشتهاة.

هي الشاعرة والأم التي تكابد تجربة وأحلام الأمومة باعتبارها أما لثلاث بنات تعاني في الوقت نفسه ألم المرض وهواجس الإبداع. تلك الهواجس التي شكلت التحدي الأخطر أمام كاتبات عظيمات كسيلفيا بلاث وفرجينيا وولف والف شافاق وغيرهن.

الحياة مع سارة حلقات متصلة من الألم تبدأ منذ الطفولة المبكرة عندما كانت تخاف من الأسد فيسمرها خوفها ذاك على باب المدرسة ملقية بشطائرها لزميلها، الخوف الذي ظل يلازمها كعقاب وكقدر، وكسبيل لمقاومته تكتب سارة لأنها لا تستطيع أكثر من ذلك، فالحياة كما يصفها كاتبها المفضل كونديرا ليست سوى حفلة تافهة أو انعكاس ساذج لأفعالنا كما ترى هي !!

في الشعر تسرد سارة انطباعاتها ومشاعرها وصور حياتها بدقة ومباشرة وبساطة، بخلاف طريقتها التجريدية في الرسم، إنها تكتب بلا تردد أو خوف أو أية اعتبارات أخرى، لأنها تكتب لتتعافى.

تقول سارة:

السرير الصغير لم يعد مساحتي الآمنة 

انظر للنجم الأخير وهو يهوي وأغني مع بناتي،

Twinkle twinkle little star 

How I wonder what u are؟

فهل تراها نهاية شاعرية لعالمك 

أم أنك ستلهمني نهايات أخرى لأختار من بينها؟ 

فأي نهاية ستختار سارة عابدين؟ 

يذكر أن سارة عابدين شاعرة وفنانة تشكيلية مصرية، صدر لها بالإضافة لديوان (المرأة التي نظرت في المرآة حتى اختفت / 2019) أربعة دواوين هي: «على حافتين»، و«ابتلع الوقت»، و«وبيننا حديقة»، و«ديوان الأمومة» والأخير نصوص وشهادات مجمعة لشاعرات عربيات. حصلت سارة عام 2014 على جائزة الشارقة لأدب الأطفال عن مجموعتها القصصية «أسرار القمر».

طباعة Email