بيوت «العمالقة».. وجهات سياحية في مصر

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

في شوارع مصر، ثمة لافتات صغيرة معلقة على بنايات سكنية تحمل شعار «عاش هنا»، وهي المبادرة التي أطلقتها وزارة الثقافة المصرية لتخليد البيوت التي عاش فيها رموز مصرية، من كتاب وفنانين وشخصيات عامة هامة، وثمة لافتات أخرى أكبر حجماً تُنبه المارة إلى أن بعض هذه البيوت تحولت لمتاحف، تجذب السياح، وتحفظ إرث «عمالقة»، لاتزال أسماؤهم حاضرة في الأذهان.

ومن بين هؤلاء، أمير الشعراء، أحمد شوقي، الذي أطلق عليه «كرمة ابن هاني»، ويقع على كورنيش نيل الجيزة، وتم تحويله إلى متحف يضم مقتنياته، وآلاف الكتب النادرة، وتم افتتاح المتحف عام 1977، وتنظم فيه أمسيات شعرية. كذلك أيضاً، افتتح متحف طه حسين عام 2013 في فيلته التي عرفت باسم «رامتان».

كذلك، من يزور مدينة الإسكندرية، لا بدّ أن تقوده قدماه إلى متحف شاعر المدينة الخالد، كفافيس، والذي أصبحت شقته الصغيرة متحفاً يضم بين جنباته أوراقه الشعرية، أيضاً في مدينة أسوان يوجد متحف الأديب الكبير عباس محمود العقاد، الذي يضم بعضاً من متعلقاته، ومكتبة عامة.

ولا تقام متاحف مبدعي مصر، في بيوتهم وحسب، فنجد متحف أديب نوبل، نجيب محفوظ، يقام في تكية أبو الدهب، بمنطقة الجمالية، حيث تشكّل فيها وعي محفوظ، وبزغت موهبته، وتأسس المتحف عام 2016، ويتكون من طابقين، يضم قاعة للندوات، وأخرى للسينما ومكتبة عامة، فضلاً عن قاعات للأوسمة والميداليات والشهادات الممنوحة له، ومتعلقاته وأوراقه الشخصية ومؤلفاته وصوره، ويجذب هذا المتحف عدد كبير من السياح سنوياً.

وعلى هذا المنوال، احتفت مكتبة الإسكندرية أخيراً، بالكاتب الصحفي المصري الأشهر، محمد حسنين هيكل، عندما أنشأت جناحاً دائماً داخلها، يضم بعض مقتنياته وجزءاً كبيراً من مكتبته وأعماله.

وقد بلغ إجمالي عدد المتاحف في مصر 84 متحفاً عام 2020، مقابل 81 في عام 2019 بنسبة زيادة قدرها 3.7 %، وفقا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. واحتلت متاحف محافظة القاهرة، العدد الأكبر من إجمالي عدد المتاحف، حيث بلغت نسبتها 23.8 % من إجمالي عدد المتاحف، تلتها محافظة الإسكندرية والجيزة بنسبة 16.7 % لكل منهم. ووصل عدد زائري المتاحف 304.5 آلاف زائر عام 2020 مقابل 531.6 ألف زائر عام 2019، وبلغ إجمالـي إيرادات المتاحف 108.9 ملايين جنيه عام 2020، مقابل 256.1 مليون جنيه عام 2019.

وفي هذا الصدد، تحدثنا إلى عدد من الأدباء والمتخصصين، لتبيان القيمة التي يضيفها الاحتفاء بالمبدعين، وتحويل بيوتهم إلى متاحف، أو حتى إقامة متاحف مستقلة، كما هو الحال مع محفوظ وهيكل.

قيمة ثقافية

يقول الأديب المصري، يوسف القعيد: «إن إنشاء متاحف لأدباء بحجم نجيب محفوظ لا يأتي من فراغ، فنحن أمام أديب أتى للأدب العربي بأول نوبل في تاريخ الجائزة، فهو كاتب مجيد، تحولت معظم أعماله إلى أعمال سينمائية لا تزال تعرض، كما أن ثمة إقبالاً كبيراً على أعماله لم ينقطع حتى هذه اللحظة، وبالتالي نحن أمام كاتب يستحق أن يؤسس له متحف».

وعن تأثير مثل هذه المتاحف في المجتمع، يروي القعيد لـ «البيان» أنه عندما زار لندن، قيل له إنه إذا لم يزر ستراتفورد، قرية شكسبير، فكأنه لم يأتِ لبريطانيا، وفي طريقه للقرية التي تحولت بأكملها إلى متحف، فاجأه أن تذاكر القطار تحمل أشعاراً لشكسبير، ورأى حينها القيمة السياحية الكبيرة التي تخلقها ستراتفورد في بريطانيا، متمنياً أن تأخذ مصر هذا المنحى مع كل الأدباء والفنانين، مشدداً على القيمة الثقافية التي تعود على المجتمع عندما يزور أطفال في عمر التكوين مثل هذه المتاحف، ويتعلموا كيف نجح وأبدع مثلاً هؤلاء الكتاب.

مركز محفوظ

وقالت الدكتورة سهير حواس، عضو مجلس إدارة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، وأستاذة العمارة والتصميم العمراني في جامعة القاهرة: «إن تحويل بيوت الكتاب والفنانين إلى متاحف يمثل قيمة أدبية وثقافية وسياحية، فأنت تصنع وثيقة تاريخية تجسد هذه الرموز، وكأنك تنشر كتاباً عن السيرة الذاتية لهم، فهم قدوة للأجيال ورموز قومية، فكما نصنع تمثالاً لكل منهم، فنحن ننشئ متحفاً حياً، يتضمن أماكن اختزنت في جدرانها طاقة من حياتهم فتتكلم الجدران وتحكي عنهم».

وعن المعايير الواجب توافرها فيمن يستحق إقامة متحف له، قالت حواس لـ«البيان»: «هي ذاتها المعايير التي يتم بموجبها نحت تماثيل المبدعين، ممن أسهموا بالتأثير في وجدان المصريين، مثل سعد زغلول، أو حافظ إبراهيم، أو نجيب محفوظ».

وتشير أستاذة العمارة والتصميم العمراني في جامعة القاهرة، إلى ضرورة ألّا يتوقف تحويل بيوت هؤلاء المبدعين إلى متاحف فقط، إذ يمكن استخدامها لتصبح بمثابة مراكز ثقافية تشع فكراً وثقافةً، ومركز جذب للسياح والزوار من مختلف الجنسيات، فدولة مثل ألمانيا تنشر ثقافتها باستخدام معهد غوته، الذي يحمل اسم أديبها الخالد يوهان غوته.

صورة في مقهى

الأديب المصري، وحيد الطويلة، علّق على تحويل بيوت الأدباء والفنانين إلى متاحف، قائلاً: «بداهة هو شيء رائع وجميل يستحقونه، إن القيمة أولاً هي أن تعرف الدول قدر من تحول بيوتهم لمتاحف».

ويتابع في حديثه لـ«البيان»: «لعل ذلك من وجهة أكثر أهمية يتمثل في الإعلاء من قيمة الثقافة، بين بشر لا يقدسون معناها، إمَّا لجهل وتراجع مستوى التعليم، أو لأن لاعبي الكرة وصور الفنانين، أهم عندهم من صورة نجيب محفوظ».

وعن مدى رغبته في أن يتحول بيته إلى متحف في يوم من الأيّام، يقول الطويلة: «لا أريد أن يتحول منزلي إلى متحف، ولست مهووساً بهذا الأمر، كل ما أتمناه أن توضع صورتي في مقعد في مقهى كتبت فيه رواية جيدة، حتى ولو من دون إشارة، حتى يسأل واحد أو واحدة عن صاحب الصورة، ورغم ذلك، لا بأس أن يتم وضع اسمي خشية أن يعتقد البعض أنني صاحب المقهى».

طباعة Email