الكتاب المستعمل.. تدوير معرفي وبيئي

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تؤكد إحصاءات تعود إلى العام 2016، أن حجم سوق الكتاب في العالم العربي، يبلغ نحو مليار دولار سنوياً. أما عالمياً فمن المعروف صناعة نشر الكتب تعد الأكبر بين الصناعات المعنية بإنتاج المحتوى الإعلامي والترفيهي في العالم. ومع زيادة عدد الاقتصادات الناشئة، شهدت سوق الكتب والنشر في العالم توسعاً مطرداً.

وهذا لا ينطبق على الكتب الحديثة وحدها، بل وينطبق على الكتب المستعملة، حيث تشير التقديرات أن نصف مستهلكي الكتب في العالم اقتنوا كتباً قديمة.

وفي واقع الأمر، ربما يكون سوق الكتب المستعملة أوسع من سوق الاصدارات الحديثة، حيث تشير تقديرات موقع «أولكس» في الهند، على سبيل المثال، إلى تفوق سوق السلع المستعملة عموماً على مثيلتها الحديثة. ومثال ذلك، أنه مقابل كل 100 سيارة جديدة يتم بيعها في السوق الهندي، يتم بيع 120 سيارة مستعملة. ومقابل كل 100 دراجة نارية جديدة يتم بيعها، يتم بيع 150 دراجة نارية قديمة، وهكذا.

مسؤولية

هناك عامل آخر مهم يضفي على تجارة الكتب المستعملة أهمية خاصة، وهو العامل البيئي، إذ إن إنتاج طن واحد من الورق يحتاج إلى اجتثاث 17 شجرة، طول كل منها 11 متراً، عمر الواحدة منها 50 سنة، ما يجعل صناعة الكتاب مسؤولة جزئياً عن التغير المناخي. وعلى سبيل المثال، تقطع الولايات المتحدة كل عام نحو 68 مليون شجرة لتصنيع الورق ومنتجاته.

وتتطلب كل مرحلة من مراحل تصنيع الورق استخدام كميات كبيرة من المياه، إذ يحتاج تصنيع ورقة واحدة إلى ما يتراوح بين لترين و13 لترا من المياه. كما يستهلك تصنيع الورق أيضا كميات هائلة من الطاقة، إذ أشارت دراسة إلى أن صناعة الورق عالميا تستهلك 6.4 إكساجول من الطاقة سنويا، وبهذا يسهم الورق بنحو اثنين في المئة في إجمالي الانبعاثات العالمية من ثاني أكسيد الكربون.

يستهلك العالم اليوم نحو 400 مليون طن من الورق سنوياً. ولكن تقدَّر المصادر المتخصِّصة في هذه الصناعة أن الورق المستهلك في المدارس والمكاتب، كورق الناسخات والحواسيب والمفكرات، يمثل الفئة الكبرى من الأوراق المستهلكة في العالم.

وبالمقابل، فإن الورق من المصادر القابلة لإعادة التدوير، بلغت عام 2013، نحو 233 مليون طن. في حين أن 45 % من الورق المطبوع ينتهي إلى القمامة، أي ما يزيد على تريليون ورقة في العالم كل سنة.

ولعل زيادة إعادة التدوير أسهمت في الحد من تأثير صناعة الورق على البيئة. إذ تشير الإحصاءات إلى أن كل طن يعاد تدويره من الورق، يساهم في إنقاذ 17 شجرة وتوفير 380 غالون من الزيت و2.29 متر مكعب من النفايات و4000 كيلوواط من الطاقة و7000 غالون من الماء.

ثراء

انطلاقاً من ذلك، فإن سوق الكتاب المستعمل، لا يمثل فقط أحد مصادر التنوع والثراء الثقافي المعرفي في المجتمع، بل والثراء الاقتصادي، والصحة البيئية؛ فهو لا يحقق مردوداً ثقافياً فقط، أو إعادة تدوير تُعنى بالمعرفة، بل وتمثل كذلك عملية تدوير بيئي أيضاً، وميزتها الأساسية أنها تتم دون الحاجة إلى عمليات تصنيعية.

في جانب التدوير الثقافي والمعرفي، يبدو الأمر واعداً على نحو خاص، حيث يساهم الكتاب المستعمل من خلال إعادة بيعه بتدوير المعلومة والمعرفة، لا سيما أن الكتاب المستعمل بقيمته المنخفضة يشجع مزيداً من الناس على القراءة، ويتيح المعرفة دون كلف بيئة واقتصادية جديدة.

هذا كله، ساعد على رواج تجارة الكتب المستعملة، وخلق لها أسواقاً، وأنشأ لها معارض متخصصة.

تجربة ناجحة

وتقول الدكتورة مريم الشناصي، مؤسس دار الياسمين للنشر والتوزيع، أن تجربة سوق الكتاب المستعمل ناجحة إلى حد مرضٍ. بل باتت ظاهرة تجتذب العديد من القراء والمحبين والمهتمين بالكتاب بشكل عام، لسهولة الحصول على الكتاب بسعر مخفض جداً. كما أن هذه السوق تتيح كذلك الحصول على نوادر الكتب، وتتيح ما نفذت طباعته.

وحول تأثير هذه المعارض على منافذ بيع الكتب، تقول الدكتورة الشناصي: يجب علينا أن نفرق بين «متاجر القرطاسية» و«المكتبات»، فالأولى تعنى بتجارة منتجات الورق والأدوات المكتبية، بينما الثانية تعنى بتجارة الكتب. وفي الواقع، فإن معارض الكتب المستعملة، لا تؤثر على «متاجر القرطاسية»، ولكنها تؤثر على المكتبات التي تعنى بتجارة الكتب. ولكن علينا أن لا ننزلق وراء هذه الفكرة، فتجارة الكتب المستعملة، هي جزء من سوق الكتاب عموماً، وتشكل إضافة هامة، فهي تستقطب قراء جدد يمكن أن يكونوا زبائن لـ«المكتبات».

وتشدد الدكتورة الشناصي على أن منافذ البيع التقليدية، يمكنها أن تعترف بالكتاب المستعمل، وتستفيد من الانخراط فيها، وإدراجها في قائمة مبيعاتها؛ ففي الغالب، يكسب الكتاب المستعمل مشترٍ جديد، من شرائح تهتم بالمحتوى، ولا تستطيع في الوقت نفسه تحمل كلفة الإصدار الجديد.

وتلفت الدكتورة الشناصي إلى أن سوق الكتاب المستعمل، يحقق مردوداً عالياً؛ إذ أن كثيراً من منافذ البيع المتخصصة بهذا النوع من الكتب تحصل على مخزونها بأسعار بخسة للغاية. كما أن بعض المعارض تحصل على الكتب كتبرعات. وبالتالي، فإن الأرباح الجيدة تأتي مقرونة بأسعار زهيدة، ما يعني تحقيق المزيد من الأرباح.

وتختم الدكتورة الشناصي بالقول إن «تداول الكتاب يساهم في الاقتصاد الإبداعي، فمعظم الناس بعد قراءة الكتاب يتبادلونه أو يتبرعون به، أو يهدونه أو يبيعونه، وهذا يساهم في رواج الكتب، ويسهم في تدوير الثقافة والمعرفة»، وتلفت في الأثناء إلى تجربة «مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية»، التي تصفها بالتجربة الرائدة والنموذجية في مجال تسويق الكتاب المستعمل. وبالتالي، تدوير المعرفة.

تجارب

من جهته، تحدث عبدالناصر درويش، مسؤول «سوق الوراقين»، عن عدة تجارب محلية لسوق الكتاب المستعمل، حيث يعد «سوق الوراقين»، الذي يقام مرة كل شهر لمدة يوم واحد بمبادرة من مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، أحد أهم وأبرز هذه التجارب.

ويقول درويش: «تعد تجربة سوق الوراقين للكتب المستعملة، الذي يقام في السبت الأول من كل شهر، أحد أهم التجارب الناجحة في تجارة الكتب المستعملة، حيث يتم بيع من 3000 إلى 4000 كتاب كل شهر. ويعد هذا السوق هو التجربة الأولى من نوعها في دلة الإمارات، بمبادرة من مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية التي انطلقت منذ عام 2006.

في سياق هذه التجربة، يلفت درويش إلى «مهرجان الكتاب المستعمل»، الذي انطلق أول مرة على قناة القصباء، ويقام الآن كل سنتين على بحيرة خالد، وأتمّ 8 دورات منذ انطلاقته، وبيع من خلاله ما يقارب المليون كتاب. كما يلفت إلى تجارب أخرى أطلقتها مؤسسات أخرى في الدولة، منها مؤسسة جمعة الماجد.

وحول تأثير بيع الكتب المستعملة على سوق الكتب التجارية، أكد عبدالناصر إن تداول الكتب المستعلة لا يمكن أن يمس تجارة الكتب الجديدة، فالقطاعين يكملان بعضهما البعض، ويؤدي نجاح الأول إلى نجاح الآخر، فمن يتبرع بكتابه المستعمل هو فعلياً يسعى لكتب أخرى تصدر حديثاً، لكنه يؤمن بإعادة التدوير الثقافي للكتاب. ومن يقتني الكتاب المستعمل هو شخص مثقف وقارئ، ولكن قد تمنعه القدرة المالية من شراء كتاب جديد، فيلجأ لسوق الكتاب المستعمل.

مردود

ويؤكد عبدالناصر درويش على المردود الإيجابي لبيع الكتب المستعملة التي تحقق عدة أهداف، أولها التشجيع على القراءة واستمرارها، مما ينعكس إيجاباً على مستوى الثقافة في المجتمع. كما أن الكتاب المستعمل يحقق هدف تنوع الثقافة لدى القارئ من خلال الأسعار الرمزية التي تتيح للقارئ خيارات متعددة مقابل قيمة محدودة.

من جانب آخر، يقول درويش، «ترتبط تجارة الكتب المستعملة في الغالب ببرامج دعم خيري، لفئات متعددة في المجتمع. كما أنها ترتبط بأهداف غير تجارية، مثل تمكين جميع الفئات من الوصول الى ما يبتغونه من كتب، وكذلك دعم القراءة عند الأطفال وغيرهم من الفئات».

ويضيف درويش: «يساعد تداول الكتب المستعملة يساعد في تحسين اوضاع البيئة أيضاً، فبالاضافة لإعادة التدوير الثقافي والمعرفي، تمثل هذه التجارة اعادة تدوير بيئي لمخلفات الورق غير اللازمة وكذلك للكتب والمجلات».

ويختم درويش: «أسهم سوق الكتاب المستعمل في إعادة احياء الكتاب الورقي. وهذا واضح بالنسبة لنا من خلال تجربة سوق الوراقين، التي أثبتت أنه لا غنى عن الكتاب الحقيقي مقابل الكتب الافتراضية. إضافة إلى أن سوق الكتاب المستعمل أخرج لنا تحف ونوادر من الكتب لم تعد موجودة، وكانت مهملة على الأرفف، ونحن بدورنا أزلنا التراب عنها، ومنحنا الباحثين كنوزا لا تقدر بثمن».

طباعة Email