اللغة العربية.. رهان جريء على القيمة الاقتصادية

ت + ت - الحجم الطبيعي

تم في الأعوام القليلة الماضية تسجيل مجموعة مهمة من المبادرات التي تعنى باللغة العربية، بما يخصها مباشرة أو يحيط بها من (التعليم، القراءة، والاحتفاء بيوم «العربية»). ذلك إلى جانب مجموعة من المناسبات، في الخصوص ذاته، رعتها وأشرفت عليها الدولة. وفي كل هذا بدا واضحاً أن ثمة رهاناً ما على اللغة الأم، وأهميتها في الحياة، وقيمتها الثقافية.

وفي الواقع، لم يكن الرهان على القيمة الثقافية، والمعنوية، للغة موضع شك أو سؤال في أي بلد؛ ولكن الجديد، اللافت، الذي حملته هذه المبادرات، في الدولة، تأكيد القيمة الاقتصادية للغة العربية، وإعادة إلقاء الضوء على دورها كـ«أصل» وعامل اقتصادي.

سؤال مفاجئ

من المهم أن هذه المبادرات الإماراتية في هذا المجال تبنت رؤية مختلفة للتعامل مع اللغة العربية، والنظر إليها خارج صندوق التفكير التقليدي، ولفتت النظر إلى أهميتها في سياق الاقتصاد الثقافي، الذي هو اقتصاد متنامٍ، وبات قطاعاً معترفاً به، ويستقطب مختلف الرهانات.

وهنا، نواجه سؤالاً مفاجئاً بشأن اللغة العربية، يبدو أن الدراسات الأكاديمية المتخصصة، لم تلتفت إليه، ولم تعنَ باستجلائه كفاية. وهو سؤال يتحرك في عدة دوائر: هل هناك فعلاً قيمة اقتصادية للغة؟ هل تؤثر اللغة في بيئة الاستثمار والأعمال؟ هل تشكل معطى ذا قيمة في سوق العمل؟ وبالأصل، هل يمكن أن تكون اللغة سلعة؟

وفي المقابل، تنفتح هذه الدوائر من الأسئلة على دوائر أخرى لا تقل أهمية وصلة بواقع اللغة العربية وقيمتها الاقتصادية، مثل: كيف يمكن أن يحسب الثراء اللغوي، في مفاهيم القيمة الاقتصادية؟ وما أثر تعدد اللغات في البلد الواحد؟ وهل هو عائق أم نوع من الثراء؟

وفي عالم اليوم، الذي نرى فيه نزاعات دولية تنشأ بسبب لغات ما أو في مسعى لحماية بعضها، يبرز السؤال جدياً عن أهمية اللغات، التي تنطوي عليها في العلاقات الدولية. ولماذا تصبح، فجأة، على نحو صارخ قيمة تحدد نفوذ بعض الدول، وتؤثر في قوة اقتصادها، وعنواناً لمصالحها؟

مثال سويسري

هنا، تبدو هذه المنظومة من الأسئلة بكل دوائرها متعلقة باللغات جميعها، وليست مرتبطة حصراً بـ«العربية» وحدها. وهذا حقيقي، ويبدو أن حساب القيمة الاقتصادية للغات، عموماً، أمر لا يزال بعيداً عن الرصد العلمي. ولكن دراسة أجرتها جامعة جنيف عن دور اللّـغات في الاقتصاد (2008) تخوض في مثل هذه المغامرة الجريئة، وتقدم محاولة في هذا المجال، تستحق النظر والتمعن.

وتخلص الدراسة إلى أن «تُـراث سويسرا المُتميِّـز بِلُغاته المُتعَدِّدة (الألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانش)، يمنحها مِـيزة تنافسية بقيمة 46 مليار فرنك سويسري، أي ما يُعادل (38.15 مليار دولار أمريكي)، وهي مُساوية لِـما يُعادل 9% من الناتج الإجمالي المحلي».

وهنا، في التعليق على هذا، يؤكد فرونسوا كرين، الأخصائي الاقتصادي في جامعة جنيف رئيس مشروع «اللغات الأجنبية في النشاط المهني»، الذي يمثل مُحاولة لدراسة كيفية تولِـيد اللغات قيمة اقتصادية، وما لهذه اللّـغات من تأثير في قِـطاعات محدّدة وفُـرص العمل (مقابلة مع «سويس إنفو»، 2008): «لدينا تأكيد هنا أن اللغة استثمار جيِّـد، من وجهة نظر الاقتصاد كَكُل، ولا تنحصِـر بالفرد أو الدولة».

هنا، في هذا المثال الذي تطرحه الحالة السويسرية، نجد أنفسنا إزاء عدة معطيات: الأولى، أن القيمة الاقتصادية للغة قابلة للحساب. الثانية، أن التعددية اللغوية ذات أثر إيجابي في عالم الأعمال والاستثمار. الثالثة أن المهارات اللغوية لا تفقد قيمتها كميزة تنافسية، تثري بيئة الأعمال، وتخلق فرصاً غير محدودة في سوق العمل.

في الواقع، تؤكد الدراسة نفسها أن 11% من الشركات الأوروبية صغيرة ومتوسطة الحجم، كانت تفقد أعمال التّـصدير بسبب عدم توافر المهارات اللغوية والمهارات المرتبطة بالتعددية الثقافية. إلى جانب أن زيادة الاستثمارات في تطوير المهارات اللغوية في جميع بلدان الاتحاد الأوروبي، تنتِج فوائد عميقة من ناحية المنافع الاقتصادية، وخاصة في ما يتعلّق بالتأثير الإيجابي في إنتاجية المشاريع صغيرة ومتوسطة الحجم والأداء التصديري.

السيطرة والنفوذ

من جانب آخر، نرى في عالم اليوم، نزاعات دولية تنشأ وتنشب بسبب لغات ما أو في مسعى لحماية بعضها بعضاً، باحتسابها تمثل مصلحة استراتيجية عليا.

هنا، يبرز السؤال جدياً عن أهمية اللغات، التي تنطوي عليها في العلاقات الدولية. ولماذا تصبح، فجأة، على نحو صارخ قيمة تحدد نفوذ بعض الدول، وتؤثر في قوة اقتصادها، وعنواناً لمصالحها؟

في الواقع، تتوافر ثمة إجابات تقدمها الحالة الأوروبية، ويمكن استنتاجها من تجربتي اللغتين، الإنجليزية والفرنسية على وجه خاص؛ ففي هاتين الحالتين تبرز اللغة باحتسابها:

(1) عاملاً ومصدراً غير ملموس للقوة وجزءاً من الأدوات الفعالة مستقرة الأثر في السياسة الخارجية لأي دولة.

(2) وتمثل بوابة للنفاذ إلى المعرفة، وفي حالات اللغات القوية تمثل سلطة لاحتكار المعرفة وثمارها الاقتصادية.

(3) وهي كذلك أداة للنفوذ الثقافي ذي الأثر الاقتصادي المباشر، فهي أداة فعالة في تعميم نمط حياة مجتمعاتها، وبالتالي فرض نموذجهم الاقتصادي، وعلى الأقل جعله مقبولاً وجذاباً.

(4) ويمكنها من خلال ذلك كله، بقوتها، أن تكون أداة تسويقية فعالة لاقتصاد مجتمعاتها ومنتجاته، وتوفير فرص عمل مجزية لأبنائها في أسواق العمل في أرجاء العالم كافة.

هذه وغيرها من المعطيات تظهر أن اللغة وانتشارها، بالنسبة لمستقبل الدول والأمم، لا يقلان أهمية عن القوة المادية (العسكرية) والقوة الناجمة عن الثروة والموارد الطبيعية، بالنسبة للاقتصادات العالمية، ولسياسات الدول.

ومن الجدير بالذكر هنا، أن اللغة وهيمنتها كانت عاملاً فاعلاً وضرورياً في حركة الاستعمار التي كانت تسعى إلى تأمين اقتصادات الثورة الصناعية بالموارد الطبيعية اللازمة والسيطرة على الأسواق؛ ولذا، فإن مراحل الاستعمار لم تكتفِ بالقوة العسكرية والسيطرة الاقتصادية، بل اتسمت بعمليات إحلال واسعة للغة مكان أخرى.

ويعرف الجميع اللغة الإنجليزية؛ ومن المؤكد أنها اللغة الأعلى قيمة اقتصادية اليوم، لأنها تمثل مجتمعات قوية، واقتصادات عظمى، وبواسطتها تجري أهم العمليات الاقتصادية، وهي مطلوبة بنسبة عالية في كثير من القطاعات، لا سيما عالم المصارف والأعمال والخدمات والإدارة والتسويق، وفي سوق العمل، وغير ذلك. بل إن لغة الاقتصاد والسياسة وكثيراً من مجالات المعرفة هي الانجليزية.

وهذا يدعو إلى القول إن سيطرة أمة ما، سياسياً واقتصادياً، لا تتم من دون سيطرة لغوية.

الأم «الضاد»

من المفروغ منه أن اللغة، التي تمثل قيمة تبادلية مثلها مثل النقد تماماً، تشكل اليوم مع التحول إلى اقتصاد المعرفة، جزءاً أصيلاً من البنية التحتية لاقتصاد المجتمعات، وتعكس قوتها السياسية. ولا تفيد المجتمعات مميزات لغاتها، ما لم تمتلك تلك اللغات سلطة تماثل سلطة الدول في مجتمعاتها.

من المؤكد أن اللغة العربية تكابد الكثير في عالمنا هذا، فحينما يعتمد سوق العمل في العالم العربي بدرجة كبيرة على لغات أجنبية، من دون أن تتاح لها المجاورة المقبولة، فإن الحاجز اللغوي يصبح مؤثراً على نحو حاسم في التفاوت الاجتماعي والثقافي داخل المجتمع الواحد، وهذا له أثره في الأداء الاقتصادي مباشرة. كما أن له أثراً سلبياً في اللغة نفسها، فإن لم تكن صاحبة حضور في الأنشطة الاقتصادية ومطلوبة في سوق العمل، فإنها تتوقف عن التطور والنمو.

وفي زمننا هذا، الذي تتدفق فيه المعرفة ويتضاعف مخزون المفردات في اللغات العاملة والمنخرطة في العمليات الاقتصادية على نحو قياسي كل عقد، فإن الأخطار على الكثير من اللغات تصبح حقيقية وداهمة، ما يجعلها بحاجة إلى الحماية الفعلية.

وهذا أمر يضفي مزيداً من الأهمية على المبادرات الإماراتية في تعزيز مكانة اللغة العربية، والحفاظ عليها، وتوسيع حضورها في العمليات الاقتصادية، وتمتلك قيمة في حسابها الثقافي والحضاري، إلا أنها تحتاج إلى دعم في مجال تعزيز قيمتها الاقتصادية.

وهذه المبادرات تنطلق من أن اللغة العربية تمثل قيمة عالمية. وطالما هي كذلك، فمن الجدير استثمار هذه القيمة.

طباعة Email