الكتب الأكثر مبيعاً.. بحث عن قائمة مفقودة

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

مؤشرات قليلة تعين القارئ العربي على اختيار كتابه المناسب، بينما هو يقف أمام سيل العناوين المبهرة، والطبعات الفاخرة، ولعل من أهمها التجربة السابقة مع كاتب بعينه، أو اسم المؤلف وشهرته، أو فوز الكتاب أو الكاتب بجائزة ما. وفي الواقع، يتسم سلوك القارئ بما يتعلق باختيارات القراءة بالعشوائية التامة؛ فالنقد الأدبي القادر على توجيه القارئ وفرز الغث من السمين غائب تماماً، ولا يزال حبيس المؤسسات الأكاديمية، بعيداً عن سوق النشر.

وتغيب، كذلك، عن ساحة النشر المؤسسات الموثوقة التي يمكن أن تنشغل بتقديم عروض موضوعية للكتب والمطبوعات بشتى أنواعها، كما تغيب عن سوق النشر العربي تقاليد قياس المبيعات، أو ما يسمى بقوائم الكتب الأكثر مبيعاً، وهي إن وجدت، غير موثوقة، ولا تقوم على أسس واضحة. كما أن المراجعات المتعلقة بقضايا القراءة والكتاب، لا تجري إلا في المناسبات، مثل هذه التي صادفت يوم أمس. أي، اليوم العالمي للكتاب.

هناك تقريران شهيران أثارا عند صدورهما، بما حملا من أرقام صادمة، ضجة كبيرة في العالم العربي، هما تقرير التنمية الثقافية للعام 2011 الصادر عن «مؤسسة الفكر العربي»، وتقرير «التنمية البشرية» للعام 2012 والصادر عن «اليونسكو»، اللذين قدما صورة محبطة للغاية عن معدلات الطباعة والقراءة في البلدان العربية. وأبرز ما ورد فيهما أن ما يزيد عن ربع السكان في العالم العربي، هم أميون، لا يجيدون القراءة والكتابة. (وعلى وجه التحديد 100 مليون من 377 مليون نسمة).

وهذا ينقل أولوية الحديث من السؤال حول «الكتب الأكثر مبيعاً» إلى السؤال حول جدوى أن تكون هناك مثل هذه القائمة في العالم العربي، مع معدلات الأمية الواسعة وأرقام القراءة المنخفضة هذه.

مؤشرات غائبة

هذا كله، يمثل مؤشراً على ضعف صناعة الكتاب في العالم العربي من جهة، وانخفاض معدل القراءة من جهة ثانية. ما يعني، من حيث المبدأ، محدودية النسخ المنشورة، والموزعة.

في الواقع إن الأرقام الواردة في التقريرين المشار إليهما، تؤكد أن كل 80 مواطناً عربياً يقرأون كتاباً واحداً في السنة. في المقابل، يقرأ المواطن الأوروبي الواحد نحو 35 كتاباً في السنة. كما تؤكد الأرقام أن متوسط قراءة الفرد الأوروبي يبلغ نحو 200 ساعة سنوياً، بينما لا يتعدى المتوسط العربي 6 دقائق.

أما بالنسبة إلى معدلات النشر، فتشير إحصاءات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الالسكوا»، فإن العالم العربي يصدر كتابين مقابل كل مئة كتاب يصدر في دول أوروبا الغربية، التي تصدر سنوياً كتاباً واحداً لكل خمسة آلاف شخص.

وهذه بالطبع، أرقام ومعدلات تبعدنا كثيراً عن ترف البحث عن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً!

ومع ذلك، فإن أرقام توزيع الكتب العربية، مهما كانت متواضعة، تفرض اليوم، في هذا الوقت الذي يمثل فيه الكتاب وقطاع النشر مجالات أصيلة من مجالات قطاع الاقتصاد الإبداعي، تقتضي بعض الرصد، ليس فقط لمصلحة القارئ، الذي هو المستهلك النهائي هنا، ولكن، كذلك، لإعانة قطاع النشر نفسه على استجلاء واقعه وآفاق تطوره.

غياب الصورة الواضحة حول سوق النشر يبدو جلياً لدى الحديث مع العاملين في القطاع، الذين لا يجدون في خدمتهم أية إحصاءات أو أرقام أو مؤشرات، تعينهم على فهم توجهات القارئ وميوله، رغم أن الدولة تحتضن العديد من المؤسسات العاملة في قطاع الكتاب والنشر.

بالمقابل، تبدو الصورة في العالم واضحة وشديدة التفصيل، فبما يتعلق ببلد واحد، مثل ألمانيا، هناك الجهات المعتمدة لإصدار الاحصائيات والقوائم ذات الشأن، مدعومة بالأرقام الموثقة؛ وآخر ما أصدر مركز مراقبة وسائل الإعلام في ألمانيا «ميديا كونترول» هو إحصائية حول عدد الكتب التي تم بيعها في ألمانيا خلال العام 2021، وبلغ 273 مليون كتاب. فيما تشير هذه الإحصائية إلى أن هذه المبيعات تضمنت أكثر من مليون عنوان، وبالضبط 1028469 عنواناً.

يذكر أن هذا المركز ينظم بيانات خاصة بأنشطة مختلف وسائل الإعلام في ألمانيا، ومنها جداول عن بيع الكتب أو القراءات أو الاستماع. وهو ما ليس موجوداً في الحالة العربية عموماً.

 

وفي محاولة استجلاء الواقع على الصعيد المحلي، لجأت «البيان» إلى الحديث مع أقدم جهتين تعملان في بيع الكتب في العاصمة أبوظبي. ومع ذلك، كان ما تلقته هو مجرد تقديرات عامة، انطباعية وغير موثقة، تحكمها التجربة الخاصة، وهي على أية حال، تقديرات لا تذهب بعيداً عن ما هو متوقع، فالكتب الكلاسيكية تحافظ على مبيعاتها، وتراكم عدد نسخ مضافة عاماً بعد عام، بينما الكتب حديثة الإصدار، فلا يزيد عدد مبيعاتها، في أفضل الأحوال، عن بضع مئات من النسخ.

الكتب الأهم

أول وجهة طرقت بابها «البيان»، في محاولة لاستجلاء توجهات القراءة، كانت «مكتبة الجامعة» في أبوظبي، وهي من أقدم وأعـرق المكتبات ودور النشـر والتوزيـع في الدولة، ويعود تأسيسها إلى عام 1973. وهناك تسنى لنا الحديث مع أمير راشد، المشرف في أحد الفروع، الذي قال: «ميول القُراء تذهب باتجاه الروايات المترجمة أو العربية، وهذا التوجه ثابت ومستقر. ونلمس اهتماماً بروايات دستوفسكي، وكذلك رواية «صاحب الظل الطويل» (إصدار 1912) للكاتبة الأمريكية جين ويبستر».

وبعيداً عن كلاسيكيات الأدب الغربي، وفي العودة إلى العالم العربي، يشير أمير راشد، الحاصل على بكالوريوس التربية تخصص التاريخ من مصر، إلى أن «القُراء العرب يبدون اهتماماً بأدب الكاتب الراحل نجيب محفوظ، وكذلك أعمال أحمد خالد توفيق».

ويوضح أمير أن مثل هذه الكتب تحافظ على مستوى بيع. ورغم أن نسب البيع تتفاوت بين عام وآخر فإن الطلب عليها لا يغيب، «ولأنها مطلوبة، لا نستغني عنها ونحرص على عرضها». ويؤكد في الأثناء أن هناك بعض الكتب التي تتصدر المبيعات فجأة، بسبب ضجة ما حولها، لكن الطلب عليها سرعان ما يغيب.

ويتحدث أمير مستنداً إلى خبرة مكتبة الجامعة الطويلة في سوق الكتاب، فيقول: باعتبارنا أقدم مكتبة وموزع كتب في الدولة ودول الخليج العربية، فإننا نتلقى أحياناً طلبات توريد كتب من مخزوننا بالجملة، لذا نستطيع أن نخمن أن توزيع العنوان الواحد يصل في بعض الأحيان إلى آلاف النسخ، وهذا ما يجعل من غير المبالغ به القول إن الناس في الإمارات يهتمون بالقراءة والثقافة. ويهتمون على نحو خاص بالإصدارات الجديدة، لا سيما الكتب الفائزة بالجوائز.

قائمة متغيرة

الوجهة الثانية، التي طرقت «البيان» بابها لنفس الغاية، كانت مكتبة «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» في أبوظبي، وهناك أطلعتنا نور سليم على تجربة المكتبة في هذا المضمار، فقالت: «هناك بعض الكتب لا يتوقف الطلب عليها رغم مرور سنوات طويلة على إصدارها الأول، مثل «الخيميائي» للروائي باولو كويلو، التي بيع منها في أقل من أسبوع عشرات النسخ». وفي التو تستدرك وتضيف: «إلا أن المبيعات الأكثر تكون بالعادة للعناوين الجديدة. القارئ يقبل على هذه الإصدارات، وتتغير ميوله وفق ما يطرحه السوق من جديد، لذا يمكن القول إن السوق قادر على توجيه ميول القراء».

أما بالنسبة للميول العامة، في الأحوال العادية، فترى نور سليم أن «أكثر الكتب مبيعاً، في العادة، هي: الروايات والكتب السياسية وتلك الفائزة بجوائز».

مفارقة

ولا يمكن للمرء إلا أن يرصد مفارقة ذات مغزى عميق هنا، فبالأصل يتم اللجوء إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في محاولة استجلاء ميول القُراء، غير أننا في حالتنا العربية نلجأ إلى استطلاع ميول القراء في سياق البحث عن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً!

طباعة Email