الاقتصاد الثقافي

كولومبيا.. إشراقة القوة «البرتقالية»

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

اشتهرت كولومبيا، طوال نصف قرن، بأنها البلد الذي تنهكه حرب عصابات دموية، وتنخر مجتمعه واقتصاده الجريمة المنظمة المرتبطة بتجارة المخدرات، ما كاد يحولها إلى دولة فاشلة، غير أن هذه الصورة تغيرت منذ مطلع الألفية الجديدة، فباتت تعرف بأنها واحدة من الدول التي تمكنت من تحقيق طفرة اقتصادية، غير مسبوقة في تاريخها.

بالطبع، يتعلق ذلك، ويرتبط على نحو أساس، بالخيارات التي اتخذها هذا البلد مع دخول الألفية الجديدة، وهي الخيارات التي ارتبطت بـ«الاقتصاد البرتقالي»، المفهوم الذي يستخدمه الاقتصاديون في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي في الإشارة إلى «الاقتصاد الإبداعي».

في الواقع، لقد جاء مصطلح «الاقتصاد البرتقالي»، في أصله، وثيق الصلة بالتجربة الكولومبية، فهو من حيث المبدأ شكل المقدمات النظرية الأساسية لإنقاذ هذا البلد من الفشل، ووضعه على مسارات النمو، كما أسهم في إنعاش اقتصاده، وانتشله من دوامة العنف وسيطرة الجريمة المنظمة، التي استمرت عقوداً.

ومن جهة ثانية، كان «الاقتصاد البرتقالي» مفهوماً صاغه في العام 2002 خريجان جامعيان كولومبيان، هما: (الاقتصادي) فيليبى بويتراغو ريستريبو، و(السياسي) إيفان دوكي ماركيز، في كتاب «الاقتصاد البرتقالي: فرص لا حصر لها»، الذي ألفه الأول تحت إشراف وبمشاركة الثاني.

وفي الحقيقة، لم يأتِ مفهوم «الاقتصاد البرتقالي» من بنات أفكار «بويتراغو» و«دوكي»، بل كان تكييفاً «كولومبياً» منهما، لفكرة برزت في ستينيات القرن الماضي، سبقهما إلى الاهتمام بها البريطاني جون هوكينز (العام 2001)، الذي طور فكرته حول «الاقتصاد الإبداعي» لوصف اقتصادات جديدة، غير تقليدية، لا تستند فيها القيمة إلى الموارد القائمة على «الأرض» و«العمالة» و«رأس المال»، بل إلى الأنشطة الاقتصادية التي تقوم على استغلال المعارف والمعلومات، أو بالأحرى تلك الأنشطة التي تعتمد على توليد منتجات وخدمات من خلال استثمار المعرفة وتوظيف الإبداع والابتكار، في سياق آليات مرتبطة بالتعبيرات والأنشطة الثقافية، المادية وغير المادية، التي تمثل قيمة اقتصادية، مباشرة أو داعمة.

من جهة أخرى، لقد تزامن انطلاق التجربة الكولومبية في مجال «الاقتصاد الإبداعي»، وظهور مفهوم «الاقتصاد البرتقالي»، مع عدة ظروف أساسية:

(1) تحقيق كولومبيا نجاحات في الحد من الجريمة المنظمة المرتبطة بالمخدرات، وتحقيق انخفاض نوعي في عمليات إنتاج الكوكايين على أراضيها.

(2) نجاحها في خفض العنف بشكل ملحوظ، مع تفكيك بعض الجماعات شبه العسكرية في سياق عملية سلام وطنية.

(3) خفض التوتر وإطفاء حالة العداء مع بعض دول محيطها الإقليمي، لا سيما فنزويلا، التي تشترك معها في تاريخ واحد.

من هنا، ومن بعد التخلص من هذه الظروف غير المواتية، التي كانت تحتجزها في حالة من الإنهاك والفشل، انطلقت كولومبيا نحو مهمتين جديدتين:

(1) تغيير صورتها في العالم وتحريرها من الماضي العنيف.

(2) تنويع الاقتصاد، وهذا قاد ابتداءً إلى تنظيم حملة وطنية (على غرار ما فعلت كوريا) لتصدير «ثقافة البوب» الكولومبية وتسويقها عالمياً.

وربما يتذكر العالم، في هذا الصدد، المغنية الكولومبية الشهيرة «شاكيرا»، التي سطع نجمها في العالم والولايات المتحدة في هذه الفترة (بداية الألفية الثالثة). ولكن الأمر لم يقتصر على ذلك، فقد شملت هذه الحملة إلى جانب الموسيقى، ألعاب الفيديو، والأفلام والإنتاج التلفزيوني، والأزياء ومستحضرات التجميل، وغيرها.

وبطبيعة الحال، لم تكن هذه الحملة برغم نجاحها كافية، فأرست الحكومة الكولومبية سياسة جديدة لتطوير التعليم، وأخرى للتوسع في مد الألياف البصرية وتغطية النطاق العريض في جميع أنحاء البلاد، وقرنت ذلك بالعمل على الحد من الفجوة الرقمية. ومن جانب آخر، اعتنت بصناعة تكنولوجيا المعلومات.

لم تقتصر النتائج، التي جاء بها التوجه نحو «الاقتصاد البرتقالي»، على نجاح كولومبيا بتغيير صورتها في العالم فقط، بل تجاوزت ذلك إلى تطوير قدرتها على استثمار مواردها الوطنية الأصلية، وخلق موارد جديدة.

وفي هذا المضمار، حققت كولومبيا ازدهاراً في الصناعات الحديثة مثل بناء السفن، فأضحت من الأكبر في هذا المجال خارج آسيا، كما تطورت فيها صناعة الإلكترونيات والسيارات، والسياحة، والبناء، والتعدين، إضافة إلى أنها تحقق النمو الأسرع في العالم في مجال صناعة تكنولوجيا المعلومات.

وبالنتيجة، تعد كولومبيا، اليوم، من أكبر خمسة اقتصادات في أمريكا الجنوبية، لديها قطاع سياحي متنامٍ بسرعة، ويحقق زيادة في أعداد السياح بأكثر من عشرة بالمئة كل عام.

وباختصار، تمكنت كولومبيا، البلد المنهك، خلال خمسة عشر عاماً منذ تبنيها «الاقتصاد البرتقالي»، من التحول إلى واحد من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم الغربي.

,رغم نجاحاتها البارزة واحتلالها المركز الثاني في القارة بعد المكسيك من حيث الصادرات الثقافية، وتمكنها من الاستفادة من ميل شعبها إلى الاحتفالات (عدد المهرجانات والكرنفالات أكثر من عدد أيام السنة) في السياحة، ونجاحها في تحويل منتجات مثل القهوة إلى علامة تجارية وطنية وجزءاً رئيساً من الروافع الثقافية للاقتصاد، إلا أنها لا تزال تمثل اقتصاداً تقليدياً يتصدر البترول قائمة الصادرات فيه، بل إن معظم بقية صادراته تتشكل من البضائع. ولكن هذا لا يلغي، بحال من الأحوال، أنها تحولت من بلد منهك إلى بلد واعد.

وهنا، تجدر الإشارة إلى حيثيات ذات مغزى، لقد تحول الطالبان الجامعيان الكولومبيان، الذين خرجا على العالم بكتاب: «الاقتصاد البرتقالي: فرص لا حصر لها»، إلى قائدين سياسيين في بلادهما، انتخب إيفان دوكي ماركيز رئيساً لكولومبيا في العام 2018، بينما احتل فيليبى بويتراغو ريستريبو منصب وزير الثقافة (في الفترة ما بين 2020 – 2021).

الأمر الثاني أنهما، إيفان دوكي وفيليبى بويتراغو، اختارا تسمية «الاقتصاد البرتقالي»، عطفاً على أن هذا اللون استخدم في مصر القديمة لتزيين مقابر الفراعنة، وكان يعتبر اللون المعبر عن الثقافة والإبداع والهوية. وفي هذا ما يستحق الاعتداد بثقافات منطقتنا القديمة، التي لا تزال تترك بصمتها على أحدث الأفكار.

وبالعودة إلى تجربة كولومبيا في المجال، يمكننا أن نرصد مفارقة مذهلة، هي أن «بارونات» تجارة المخدرات وأعضاء الجماعات المسلحة، التي أرهقت كولومبيا على مدار خمسين عاماً، ودمرت اقتصادها، تحولوا هم أنفسهم بفضل «الاقتصاد البرتقالي»، إلى موارد مهمة، فقد بات هؤلاء اليوم موضوعات لأهم الأفلام والمسلسلات التلفزيونية وأكثر الكتب الكولومبية انتشاراً في العالم، كما أنهم باتوا من عناصر الجذب السياحي، كذلك.

إنها إشراقة وسحر «الاقتصاد البرتقالي»، الذي يحول التحديات إلى فرص.

طباعة Email