الطاهر جُمَيعْي.. عين الإنسان الثالثة

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

الفنان الضوئي المغربي الطاهر جُمَيعي، الذي وُلد على شطآن الأطلسي، واستنشق هواء الصحراء المغربية، وتسلق بجسده وعينيه مرتفعات الأطلس، وجد في البادية السورية الشيء المرئي والمحسوس والمُعاش نفسه الذي وجده في الصحراء المغربية، لقد عاش في عالمين متوافقين أبداً وكانت الكاميرا عينه الثالثة.

«رأى الإنسان أن العالم من حوله أوسع من أن تحيط به عيناه، فاخترع لنفسه عيناً ثالثة: آلة التصوير». بهذه العبارة: استهل الفنان والباحث فائق دحدوح تقديمه لأعمال الفنان الضوئي المغربي الطاهر جُمَيعْي الموسومة بـ«سوريا.. ألوان وتقاليد»، التي رصد من خلالها مفردات الحياة في عدد من المناطق السوريّة، بكثير من الحرفية المدعومة بالموهبة، ونهض بالصورة الضوئيّة إلى مصاف العمل التشكيلي المدروس شكلاً ومضموناً.

بدايات الصورة

يُشير دحدوح إلى أن التصوير الضوئي بدأ في بداية القرن الماضي (الصورة الضوئيّة الأولى الناجحة ظهرت عام 1816)، ووصل إلى الوجه المظلم من القمر، وإلى المجموعة الشمسيّة وصوّرها من كثب في الستينيات من القرن العشرين، فالمئة عام المنصرمة تحكي من خلال التصوير الضوئي، مسيرة الإنسان وتطوره ومآثره كافةً، وعليه لا حرج إن قلنا إن هذا كان عصر الصورة.

العيش في عالمين

الراحل الفنان فاتح المدرس، أكد في حينه، أن الطاهر جميعي تَمثل في صوره روح البادية السوريّة، أو حجارة التاريخ السوري، ولذلك فإن هذا الفنان الذي وُلد على شطآن الأطلسي، واستنشق هواء الصحراء المغربيّة، وتسلق بجسده وعينيه مرتفعات الأطلس، وجد في البادية السوريّة الشيء المرئي والمحسوس والمُعاش نفسه في المغرب، لقد عاش في عالمين متوافقين أبداً.

صوّر ما أحب

و يرى المستشرق الفرنسي جاك لانغاد، أن الفنان جميعي، الذي جاء من المغرب العربي لزيارة المشرق، حاملاً آلة تصويره، تعلقت عيناه بالجديد القديم في سوريا ودمشق، فسجلت آلته ما عاش وأحب: المناظر الطبيعيّة والصروح والأشخاص والأزياء الشعبيّة ومشاهد الحياة اليوميّة.. كلها من سوريا المألوفة الأليفة، تمر أمام عيوننا المندهشة.

بساطة ورصد

يؤكد دحدوح أن للإنسان في صور الطاهر جميعي المقام الأرفع، على الرغم من حرصه على إلباس العناصر المصوّرة جميعها الثوب الفني نفسه.

وسبق للفنان جميعي أن قال إنه يرصد موضوعات صوره، ثم يعيش معها. ينام على الأرض، ويمشي بجانب الضحكات الجريئة، حتى إذا جاء الليل، وتحرك ببطء في قبة السماء، اتصل بهذا الكون وجماله السري، فيشعر كأن يداً من حرير وفولاذ، تمر بحنان على وجهه وصدغه، ويشعر بالشفاء من الآلام التي تحاصره في أعماق حنينه إلى أمكنة أصبحت في الغيب الذي غيّب أمه من دون أن يسعد برفقتها.

طباعة Email