العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    لجان إجازة الأعمال الفنية دور غائب

    في العقود السابقة في دولة الإمارات ودول الخليج والدول العربية، كانت هناك لجنة نصوص رسمية تجيز الأغنية قبل إذاعتها، لتقوم اللجنة التي تتشكل بأعضائها العالمة والمتخصصة وليست المثقفة فقط، بتحديد الصورة النهائية لهذه الأعمال بهدف الارتقاء بذوق الجمهور، فأين هذه اللجان اليوم؟ وهل هناك لجنة رسمية اليوم تصدر من الأجهزة الرسمية بعيداً عن المصالح الخاصة، لجنة لديها من الإمكانيات التي تخولها إجازة الأغنية إن كانت تصلح للسماع وتطوير الذائقة أو لا تجيزها لرداءة اللغة أو مستوى اللحن والصوت.

    وأمام كثرة الإذاعات والقنوات الخاصة وغير الرسمية، وأولويات السوق المادية لا الذوقية. هل هذه اللجان موجودة لتجيز الأجود للقنوات الرسمية على الأقل؟ خاصة الأغنية المؤلفة، وليس فقط الفصيحة أو النبطية.. في مناقشة هذا الموضوع طرحت «البيان» هذا السؤال على ملحنين وشعراء وفنانين وباحثين ومتخصصين، ماذا عن اللجنة المعنية بإيجاز الأغنية؟

    الكم والكيف

    يبدأ الأستاذ والموسيقي والشاعر إبراهيم جمعة بحديثه عن هذا الموضوع، فيقول: نحن نعلم أن الفن يختلف الآن عن العقود السابقة، حيث أصبحت الأغنية بلا قيادة، ومثل سفينة بلا نوخذة، وأصبحت السماء لا تمطر، فلا هناك رقيب على الأغنية ولا حسيب عليها، أصبحت منفلتة في أيدي القطاع الخاص الذي لا يهمّه الكيف بل الكم، وبينهما مساحة كبيرة ومسافة طويلة، فالكيف هو كيف تختار أغنية تهيمن على خواطر الناس، وتعيش ظروفهم وواقعهم ومواقفهم التي يعيشونها، أما الكم فما يعتمد على الطبول لا الاستماع، إذن أولاً الأغنية هي الفرق بين الكيف والكم. لكن القطاع الخاص يرأسه رجل تاجر يهمه الكم والبيع، وهو من يسهم في تخلف الأغنية وانحطاطها، حتى أصبحت الأغنية مبتذلة صوتاً وكلمة ولحناً، وهذه العناصر الثلاثة تحتاج من يجيزها، وهم أفراد في اللجنة الفنية لديهم باع وخبرة وعلم ومفاهيم ليجيزوا، وهم متخصصون. لكن اليوم يسجل أغلب الفنانين الذين لديهم المال في أستوديوهات خاصة، في القاهرة ودبي وفي أي مدينة، بعد أن أصبح الملحن تاجر شنطة، أي ملحناً بلا كلمات، يبيع اللحن ثم يشتري الكلمات من شاعر يركب شعره على وزن اللحن ثم شراء المطرب لتركيب صوته، وتأتي الأغنية تائهة، فلا مسؤول يشرف على هذه اللجان في المؤسسات الثقافية في العالم العربي أمام السوق الحرة، لذا لم يعد مهماً أن تغني أو تنعر، فالأستوديو يجمّل الصوت ويعدله بـ«البلوتوث» وبـ«الأوتيتيون»، وهذه عملية غشّ موسيقي للناس؛ لأنه يتم تنعيم الصوت أثناء التسجيل، وبرأيي هذه جريمة بحد ذاتها.

    ويتابع: أما الكيف فلا بد أن هناك لجاناً تجيز الصوت من خلال المؤسسات الثقافية والإعلامية، ولجنة مختصة من أساتذة كبار مختصين في عملية الـ«صولفيج» أي تمرين الصوت، لمعرفة مدى الصوت إن كان نافعاً أو غير ذلك، وتمييز الأصوات وإجازة النص بوضع العلامات، ووضع درجات الإجازة من جيد وجيد جداً وممتاز، على مستوى اللحن والكلمة والصوت، وكُل بحد ذاته، حتى لا يصبح هناك خطأ في اللحن كما هو اليوم الذي يتم تقديم اللحن حزيناً مع كلمات الفرح والسعادة، والعكس كذلك بتقديم الكلمات السعيدة في لحن حزين، وهذه أخطاء كبيرة، ومن قلة خبرة في كيفية الشرح، وعدم مشاركة الإحساس، وعدم التكيف بعدم التعبير مع الكلمة المكتوبة. ويضيف: والمحزن أن الجمهور أصبح متكيفاً مع الأغنية الهابطة، وبات الرقص شغله الشاغل، وهذه المسألة علاجها في التعليم المدرسي ومنهج موسيقي يتم وضعه منذ مرحلة التأسيس إلى الثانوية ليصبح متهيئاً لدخول كلية موسيقية، وإبراز موسيقي بعد كل هذا المحصول ليتخصص. فلا يرتفع الذوق الموسيقي إلا بعد دراسة، ليخرج فناً متنوعاً مع جغرافيا وتكوين الدولة بتنوعها، من لهجات وأصوات المكان المتنوعة، واللحن حسب كل منطقة، إذاً علينا إخراج أجيال عازفة، وخلال خمس سنوات حيث بإمكاننا إبراز مجموعة من العازفين، ونستمر حتى يتم تخرج أجيال ترفق بالموسيقى وتهتم بالفن والتراث، حينها سنقصر المساحة الكبيرة بين صوت الفن وصوت الطبل.

     

    متخصص حقيقي

    يرى الشاعر والكاتب سالم الزمر، الذي كتب الشعر العربي الفصيح والنبطي: إن وجود لجنة تجيز النصوص الشعرية والأعمال الفنية، لأدائها أمر مهني ضروري في هذا الزمن، وهو عودة إلى الأصل حيث كانت أغلب الإذاعات والتلفزيونات العربية، بل حتى الصحف، لها لجان متخصصة تقوم بهذا العمل الاحترافي، حيث كانت فيها قامات من الشعراء والأدباء والمتخصصين في الفنون الموسيقية يقولون كلمتهم في كل ما يُعرض عليهم دون تحفظات وبلا مراعاة إلا للفن الجميل، ولو كانت مثل تلك اللجان المحترفة موجودة الآن لما انتشرت تلك الأعمال غير الراقية من أشباه وأنواع الفنون، ولما انتمى للفن الجميل كل دخيل عليه، وإنني لأضم صوتي إلى كل صوت يطالب بذلك، ولكن بشرط أن يُختار لعضوية تلك اللجان، وليس كل مشهور ظاهر على وسائل الظهور دون علم ولا معرفة ولا فن حقيقي، بل يُختر لها كل متخصص حقيقي لديه من الجهد الأدبي والفني الحقيقي ما يجعله أهلاً لأن يبدي رأياً حراً حقيقياً وتقييماً عادلاً لتلك الأعمال التي تعرض عليه، دون مراعاة لغير الفن والجمال والحقيقة.

     

    ضرورة

    الموسيقي الكويتي غنام الديكان، أستاذ في مادة الإيقاعات، ومؤسس فرقة التلفزيون للفنون الشعبية، ورئيس القسم الفني في التوجيه الفني العام للتربية الموسيقية، يقول: كانت لدينا لجنة نصوص للفصحى والعامية في وزارة الإعلام الكويتية، وكان ذلك أثناء النشاط الهائل في دولة الكويت في الثمانينات من القرن الماضي وكانت سبباً لتقدم الذوق العام، أما بعد ذلك فقامت الشركات الخاصة بإنتاج الأغاني وبأنواعها.

     

    النبطي المستساغ

    الفنان والشاعر الغنائي الكويتي عبد اللطيف البناي، يعلق عن الأغنية المؤلفة تحديداً: أولاً وبالنسبة لي أنا، أي وبشكل شخصي، لا أستسيغ الشعر الحر الذي بلا وزن ولا قافية، ولو كان بين يدي وأنا في هذه اللجنة فلن أجيزه، وعلى أقل تقدير لن أؤيد إجازته. أما عن وجود اللجنة في دولة الكويت فأنا أطالب بذلك بالطبع، حيث لا للمزيد من هبوط الأغنية، وإن كانت اللجنة في المؤسسة الرسمية ما زالت موجودة فعلينا الاهتمام بالأعضاء الذين عليهم أن يكونوا من المتخصصين، مع درايتهم العميقة في الموسيقى واللحن والكلمة، حتى يتم إجازة الأغنية وبشكل يليق بمسماها.

    ويتابع: أما من ناحية أخرى، وما يتعلق بالشعر النبطي، أود أن أقول: لقد تعاملت في دولة الإمارات مع المبدع إبراهيم جمعة، وهو المعروف عنه بأنه موسيقي وملحن كبير، لكنه شاعر جميل أيضاً، حيث كنا نتعامل مع عدة ألوان من الكلمات بين النثر والعمودي والقوافي المتعددة، لكن ما أريد قوله إن اللجنة كانت غالباً لا تجيز العمودي والنثر والقوافي المتعددة، وتجيز فقط النبطي لأنه مفهوم للأغنية المؤلفة.

    الأغنية الحرة

    يعلق الشاعر والكاتب العُماني طارش قطن حول لجنة إجازة النصوص التي لا زالت موجودة وقائمة في وزارة التراث والثقافة في عمان، فلا يُغَنّى نص، ولا يُذاع نص في التلفزيون العماني، والإذاعة العمانية، إلا بعد المعاينة الكاملة والإجازة.

    بين حالين

    ويتابع طارش قطن حديثه حول هذا الموضوع متطرقاً إلى جوانبه المتنوعة قائلاً: طبعاً هذه الإجازة تكون من المواقع الرسمية، إذا كان النص سيذاع وبشكل رسمي، لكن ومن جهة أخرى فإن قنوات التواصل الاجتماعي تنشر لأي شخص وبلا إجازة ودون المرور بلجنة تقيم النصوص وتصدر أحكامها عليها.

     

    الأسلوب والهوية

    من البحرين، توجهنا بالسؤال إلى الشاعر والإذاعي حسن سلمان كمال، الذي كان قد شغل منصب الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وبالرغم من أنه متقاعد ومنذ مدة، علق قائلاً: لجنة نصوص الأغاني كانت من النوع الاعتباري في الإذاعة والتلفزيون والإعلام، حيث كنا قد استعرضنا وقَيّمنا الموهوبين الذين يستحقون الظهور لقدراتهم وإمكانياتهم، وباعتباري كنتُ عضواً ومديراً سابقاً للإذاعة، فإنه عليّ أن أذكر بأن البعض كان يرفض تقييمنا، تصل إلى مشادة أحياناً وبعض المشاكل بعد التدقيق حتى لا تكون هناك سرقة بين الجُمل اللحنية، لكننا ومع ذلك كنا أمناء في تقييمنا، وهذا تكليف وزاري لا بد من مراعاة الأمانة والصدق، حتى تفاجأنا بعد التقاعد بأنهم يسجلون في القاهرة، ويأتون بالأغنية من أستوديوهات خاصة هناك، ودون تقييم، لتدخل «الشلليات» كعادتها، وبالتالي تخرج أغانٍ جديدة، وبأسلوب غربي، وتمحو الهوية والأصالة، أما اليوم وبعد تقاعدي، فلا أعرف ما الذي يجري في لجنة النصوص، ومع الأعضاء الذين أتمنى منهم ألا يستسهلوا هذا الأمر لأهميته الذوقية.

     

    فكرة

    عن موقف الفنانة الإماراتية أريام من هذه اللجنة والإعلام، فتعلق: من جانبي ووجهة نظري فدائماً ينقصني الدعم الإعلامي كفنانة إماراتية، وكذلك في وسائل التواصل الاجتماعي التي هي اليوم أساس التغطية والدعم، وما أعنيه بالدعم ألا يكون لفنانة على حساب فنانة أخرى، فجميع الفنانات الإماراتيات موجودات في الساحة، وبالنسبة لي فأنا ما زلت بنشاطي وطرحي أغنية كل عام، كما أن الأغاني من إنتاجي، لكن كفنانة أتمنى دعم وسائل التواصل الاجتماعي الرسمية من خلال المؤسسات الثقافية إلى دعم مرتب وبمنهج لنا جميعاً، فأنا بحاجة كفنانة إماراتية خليجية عربية ومن خلال نشر أخباري الفنية، وكلماتنا التي نتغنى بها، إلى الجهات التي تدعم نشر أغنياتنا.

    وتضيف: أما عن اللجنة، فأنا أقترح أن يجاز نصي من خلال هذه اللجان، فلا مانع بالنسبة لي كفنانة، بل أؤيد هذه اللجان وأرى ضرورة وجودها في مؤسساتنا لتأخذ الأغنية مسيرة نجاحها لا شهرتها فقط، فالشهرة سهلة، لكن الخطة المناسبة أن تمسك الهيئات الرسمية بهذه الفكرة وتضعها بقوة، من أجل الفن ومن أجل الفنان الطموح لا التاجر. وفي النهاية أحب أن أكون أريام الفنانة التي تضع بصمتها الفنية من حيث الكلمة واللحن والهوية.

    طباعة Email