«لو كُنت هناك»..قصص المفقودين وما يخلفونه من أثر

مئات الألوف يجري اعتبارهم في عداد المفقودين كل عام، وقد تصل أخبار بعضهم إلى الصحف، وتتم مشاركة صورهم بشكل واسع، بحيث نشعر أننا بتنا نعرفهم، وفي مقابل هؤلاء، هناك مفقودون كثر لا يسمع عنهم أحد، وبعضهم من المرجح أن يكونوا قد فروا طواعية، ومثل هؤلاء قد يزعزعون فهمنا لما يعنيه أن يكون المرء مفقوداً: فهل يبقون بتلك الصفة إذا لم يكن هناك من يبحث عنهم، أو إذا ما أرادوا الرحيل؟

عبر رحلة شخصية مؤثرة تأخذه من بريطانيا إلى مسقط رأس والده في إسبانيا، يجري الصحافي فرانسيسكو غارسيا تحقيقاً مؤثراً في ما يعنيه مصطلح «المفقودين» والاحتمالات الكثيرة لمضامينه، حيث يعالج كتابه بعنوان «لو كُنت هناك: المفقودون وما يخلفون وراءهم من أثر»، جوانب مختلفة عن حياة هؤلاء عن طريق مقابلات مكثفة مع من يبحث عنهم، وحتى مع مفقودين عائدين أنفسهم، كاشفاً في سياق ذلك عن العلاقة التي تربطه مع أشخاص فُقدوا.

2019

يذكر الكاتب أن أول لقاء صحافي أجراه مع مفقودين نشر بمجلة «فايس» عام 2019، وكان تحقيقاً حول سبب ارتفاع عدد الأشخاص المفقودين المبلغ عنهم، ومنذ ذلك الحين انجذب إلى قصص الذين ينزلقون لحجب أنفسهم.

وقد تكون جذور انشغاله بالمفقودين، كما سيدرك لاحقاً، اختفاء والده الإسباني، كريستوبل غارسيا فيريرا، الذي التقى والدته أثناء عطلة في إسبانيا. ويوضح غارسيا في الكتاب أن والده بعد انتقاله مع والدته إلى لندن كافح كثيراً لكسب الرزق، بسبب عدم إتقانه الإنجليزية، ومع مرور الوقت أدمن الكحوليات، ليصبح في عداد المفقودين مرات عدة في السنوات الأولى من حياته، قبل أن يختفي نهائياً عائداً إلى إسبانيا بعد وفاة والدته بالسرطان، وكان ذلك ولم يزل الكاتب بعمر سبع سنوات.

أدلة

وقد تكون هاتان المأساتان قد منحتاه أرضية مشتركة مع أولئك الذين يقابلهم، كما أكسبتا سرده نوعاً من الزخم الخاص، ذلك أنه على طول الكتاب يفكر بالبحث عن والده من جديد، مقتطفاً من الكاتبة الأمريكية جوان ديديون «تأثير الدوامة» في وصفها لجانب من الحزن..يستحضر الكاتب أدلة في كل قصة عن شخص مفقود.

وسيشعر القارئ بالتأرجح في أسلوب غارسيا في الكتاب، بين بيئة حميمية ومساحة مليئة بأعداد كبيرة من المفقودين، كما بهذا التحول بين الماضي والحاضر، والشخصي والعمومي، باليقين وفي الوقت نفسه للاعتراف بعدم اليقين.

طباعة Email