«السراح» مهنة تقليدية أثرتها البادية والجبال

مارس الإماراتي منذ القدم العديد من الحرف والمهن، بعضها لا يزال حاضراً، والبعض الآخر تناقص مع تقلص الإقبال عليه بمرور الوقت نظراً لتوفر البدائل، وفي أوقات خلت زاد الاهتمام بمهن دون سواها نظراً لصعوبة البدائل ومن هذه المهن «المسرِح» أو «السراح» وهو الشخص الذي يقوم بتربية الأغنام والإبل والأبقار، وواظب أهل الإمارات منذ القدم على تربية الماشية، وكانت تعد من أهم مصادر الدخل التي أغنت المجتمع بخيراتها وفوائدها المتعددة، ابتداءً من حليبها ولحومها وجلودها وصوفها، الذي دخل في العديد من الصناعات القديمة، ناهيك عن بيعها أو شرائها، وكان «السراح» أو «المسرِح» هو الشخص المعني بتربية ورعاية هذه الماشية، وتحديداً من الماعز والأغنام، وعلى الرغم من الأدوار الكبيرة التي كان يقوم بها «السراح» فإن هذه المهنة انقرضت، ولم يبق منها إلا ما تختزنه ذاكرة بعض المهتمين بالتراث.

ورغماً عن الرخاء والرفاهية وظروف العيش العصرية، وتوافر البدائل الكثيرة، إلا أن أهل الإمارات عموماً لم يتنازلوا عن تقليد تربية الماشية والاعتناء بها، لاسيما والدولة شجعت عليها من خلال توفير المزارع والمساحات المخصصة للمواشي، وتقديمها العناية الصحية اللازمة لها، ودعم أصحابها بالأعلاف.

طقوس المهنة

وتعتبر مهنة السراح من المهن المنقرضة والتي كانت معروفة ومنتشرة في ذلك الزمن عند أهل البدو، والمسرِح هو الراعي الذي يهتم بالماشية من الغنم والماعز فقط دون البقر، إذ كان يمر بعض السُّراح سواء داخل منطقة السكن ويأخذ من كل بيت ما لديهم من ماعز وأغنام ويذهب بها إلى الخلاء ويدعها ترعى من نبات الأرض النادر إذا كانت هناك نباتات من جراء الأمطار أو من بعض النباتات القليلة الجافة في وقت الصيف ومن خشاش الأرض، وقبل المغرب بقليل يجمع ماشيته ويعود بها إلى البراحة أو المدينة، ويسلم كل بيت ما يخصهم من ماشيتهم ويفرح الأهالي بعودته.

ومهنة السراح، يطلق عليها أيضاً «المسرِح» وكذلك «المروح» كانت تشتهر في المناطق الجبلية البدوية، واشتهر عدد من القبائل بهذه المهنة، وتختلف الطقوس في مواسم السنة، ففي فترة الشتاء يقوم صاحب الأغنام والماعز بعد تسريح ماشيته من «الزرب» أو «الحظيرة» وهو المكان الذي تقيم فيه الماشية، ليبدأ «السراح» رحلة تسريح الماشية ورعيها بعيداً عن البيوت، حيث يَخرج من كل فريج شخص واحد وهو المسؤول عن هذه المهنة، ويأخذ معه ماعز وأغنام البيوت المجاورة، وفي بعض الأحيان يتم ترك الأغنام والماعز في المكان ويرسلون لها شخصاً يسمى «مروح» من أجل إعادة هذه الماشية إلى أهلها وحظيرتها.

أما في موسم الربيع، فيتم تسريح راعٍ يلازم الماشية في جميع خطواتها حتى لا تسبب خسائر في الحبوب، ومهنة السراح كانت تستمر طوال مواسم العام، وأهل المناطق الجبلية كانوا في أيام من فصل الصيف يتركون منازلهم الكائنة في سفوح الجبال وينتقلون للعيش في السواحل، وهنا كانوا يلجأون لشخص يرعى ماشيتهم ويسمى «المودع» أو «المقيض» الذي كان يهتم بالماشية ويرعاها ويقدم لها السقاية والطعام، في المقابل كان يستفيد من حليبها ويقدم له بعض الدراهم نظير خدمته، وبعد انتهاء تلك الأيام كان أصحاب الماشية يستلمون «حلالهم» منه، ويقدمون له التمر الذي يجلبونه من الساحل.

مذاق خاص

يقول سعيد مطر الطنيجي، عضو مجلس إدارة نادي البطائح وأحد المهتمين بالتراث، إن مهنة المسرِح أو السراح، مارسها أهل البادية منذ قديم الزمان، مشيراً إلى أنه عاصر وشاهد طقوس هذه المهنة أيام الطفولة في منطقة الذيد المعروفة بمراعيها ومساحاتها الخضراء، وقال إن الممارسين لهذه المهنة عددهم محدود، ولكن في الوقت نفسه كان أصحاب الحلال يحرص الكثيرون منهم في تلك الفترة على القيام برعي ماشيتهم بأنفسهم ويتناوب على ذلك الأبناء داخل البيت الواحد.

 

طباعة Email