أما قبل

المسافات الطويلة

كلما وصلني كتاب من «دار رياض الرّيس للكتب والنشر» تفاءلت، فلطالما أصدرت هذه الدار خيرة الكتب التي بتنا نفتقد صفحاتها ومؤلفيها هذه الأيام، الكتاب حوار طويل أجرته الزميلة سعاد جروس مع رياض الريس حيث روى تفاصيل حياته، صحافياً وناشراً، عبر 355 صفحة حملت عنوان «صحافي المسافات الطويلة».

حمل الكتاب مقدمة لسعاد جروس بعنوان «كرم على درب»، لافتة إلى أن الحوار امتد على جلسات استغرقت ساعات من التسجيل وأكثر منها في الصياغة والتحرير والتبويب في فصول متتالية.. ومدخلاً لرياض الريس عنوانه «ثقوب الذاكرة» بدأها الكاتب هكذا: الذاكرة صندوق بريد، تضع فيه كل شيء، لكنك لا تُخرج منه إلا ما تريد.

عرفتُ رياض الريس صداقةً لأكثر من عشرين سنة، وقبلها عرفته عبر «الناقد» المجلة التي كانت تشبه يداً امتدت لتقود مشروعاً صحافياً ثقافياً عربياً حداثوياً، توقفت مثل الكثير من مشاريع الغد، السبب يعرفه الجميع: غياب التمويل، وأضيفُ من عندي، قلة حيلة المؤسسة الثقافية وتكاسل الدوائر العلمية ولا أبخل بالقول أيضاً، الأفق المغلق، لأن العقول مغلقة.

في تسعينيات القرن الماضي تردد رياض الريس على الإمارات كثيراً، حيث شارك في منتديات وفعاليات عديدة، وفي كل زيارة حوار طويل سجلت الذاكرة مقاطع منه هي أقرب لما سجلته سعاد جروس في «صحافي المسافات الطويلة». وهو ما يدفع للسرور أن كاتباً بقامة الريس يحتاج قلماً رشيقاً مثل قلم سعاد.

من تلك الحوارات «غير الصحفية، أو السياسية» حوارات اجتماعية خزّنتها ذاكرته عن دمشق ومقاهيها، وما زلت أذكر ذلك الوصف لمقهى في دمشق يعرفه العامة بـ«خود عليك ولزلو»، أي افسح مكاناً للقادم الجديد إلى المقهى، ولم تكن مقاهي رفاهية تلك الأيام، كان المقهى مجموعة من الكراسي الخشبية الطويلة التي تتسع لخمسة أشخاص، ويمكن أن تتسع لضعف العدد إذا تلاصق الرواد على طريقة الأطفال في مقاعد المدرسة، فأصبح المقهى مشهوراً بـ«خود عليك ولزلو» ونسي الرواد اسمه الحقيقي.

وذات ربيع، يقول الريس، كانت مقاهي الربوة، حيث يدخل بردى إلى دمشق، تضع طبق فاكهة على طاولة الزبائن، لكن النادل كان يسأل الزبائن أولاً: الطبق للصبابة أم للأكل؟ أي إذا كان طبق الفاكهة لإمتاع النظر «صبابة» ثمنه ليرة واحدة، وإذا كان الطبق للأكل ثمنه خمس ليرات.

والكتاب عميق في رصده لتجربة الريس الحياتية والصحافية الحافلة بأحداث معظمها متصل بما نعيشه اليوم، ويمكن للقارئ معرفة الكثير من الحقائق والأسرار كلما توغل في صفحاته.

بعض الكتب تعيد إلى القارئ ثقته بالورق، فما بالنا بالورق والقلم...؟

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات