جبران

بين أخبار القتل والدمار تمر أخبار سريعة عن أدباء رحلوا أو ذكرى ميلاد مبدعين تركوا بصمة في الزمن أو آخرين أحدثوا فارقاً في الحياة.

على صعيد خاص كان جبران خليل جبران قد أحدث فارقاً مهماً في بواكير قراءاتي، تذكرت ذلك أمس حيث مرت ذكرى رحيله في نيويورك يوم العاشر من أبريل عام 1931 وهو في الـ48 من عمره، كان سبب الوفاة هو مرض السل، كما الحال مع شقيقه بطرس وشقيقته سلطانة ودفن حسب وصيته في بلدته بشري في لبنان.

في سبعينيات القرن الماضي لمحت كتاباً صغير الحجم معروضاً في واجهة مكتبة الحي عنوانه (الأجنحة المتكسرة) لفت نظري غلافه الأزرق ورجل وامرأة في جلسة شاعرية على مقعد خشبي في الحديقة، استهواني المشهد فاشتريت الكتاب فأذهلتني عباراته وحكمته وتعلقت بجمل وأسطر غاية في الروعة، تلك الكلمات تركت في نفسي أبلغ الأثر عندما بدأت أكتب، وهكذا وجدتْ كتب جبران طريقها إلى مكتبتي الصغيرة، حتى إني اقتنيت المجموعة الكاملة لجبران بجزأيها العربي والمعرب.

أتذكر جبران كلما انخفض سقف النور في بلادنا وقلتْ فرص المحبة، أتذكر المتنورين الذين كانوا في أفق واسع ورحب يتقبلون الآخر ويركزون على التنوع والتعدد ليكون البيت ملوناً مليئاً بالشغف، جبران المسيحي الذي تعلم العربية والسريانية على يد كاهن القرية، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة من الطبيب الشاعر سليم الضاهر مما فتح أمامه مجال المطالعة والتعرف إلى التاريخ والعلوم والآداب، وتلك النشأة عَمَّقتْ الانتماء لديه رغم حياته العلمية في أميركا، ويجد المرء في كثير من آرائه جواباً عن حقد هذه الأيام الذي يفرخ أعمياء القلب والروح، تأملوا جبران (إني مسيحي ولي فخر بذلك، ولكنني أهوى النبي العربي، وأكبر اسمه، وأحب مجد الإسلام وأخشى زواله).

ذكرى جبران مثل مئات آخرين أعطوا من نور عقولهم لوطنهم وأمتهم، تحتاج إلى عودة احتفائية في جميع مؤسساتنا الثقافية والفكرية حتى نعيد الضوء والبريق لمنجزهم ولإعادة قراءة فكرهم المتنور، خاصة أن معظم أبناء العالم الافتراضي، يعتقدون أن كل ما هو خارج شاشتهم لا وجود له، ولا يعرفونه، فما حاجتهم إليه..

نحن نحتاج إلى عقول متنورة في عالم البغض والحقد والكراهية، ليس لشيء، فقط حتى يشعر المصلون بالأمان في بيوت الله.

ولأني بدأت بجبران ومحبته، أختتم به مستشهداً:

(الحق يحتاج إلى رجلين: رجل ينطق به ورجل يفهمه).

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات