البديري الحلاق

أمضى الحلاق الدمشقي شهاب الدين أحمد بن بُدير، المعروف بالبُدَيْري الحلاّق نحو 21 سنة يُسجّل وقائع دمشق وحوادثها بين 1741 و1762، حتى تحول إلى مؤرخ شعبي معروف. ويقال إنه كان متصوفاً من دمشق.

في كتاب «حوادث دمشق اليومية» الصادر في دمشق عام 1959 وأعيدت طباعته عام 1997، ومرة ثالثة عام 2008، سجّل البديري ما رآه أو سمعه أو لمسه في المدينة السورية التي بقيت واحدة من أقدم العواصم، حيث كان للعثمانيين.. الدور الكبير في تخلف الحياة في بلد كان جسراً للحضارة بين عالمين وزمنين.

بدأ البديري تدوينه لأحداث دمشق من 1154 هجرياً واستمر بتدوينه لمدة واحد وعشرين عاماً، إلى عام 1175 هجرياً (أي من 1741 إلى 1762م). وكتب يومياته بما يقرب من العامية.

ظلت هذه المدونة ضائعة لفترة طويلة تناهز القرن ونصف القرن ولكنها وصلت بطريقة ما إلى مكتب الشيخ طاهر الجزائري، استعار الشيخ محمد القاسمي الكتاب من الشيخ الجزائري ومن ثم حققه ونشره بعنوان جديد، نقحه الشيخ محمد سعيد القاسمي لحوادث دمشق اليومية. في عام 1378 هجرياً (الموافق 1959م) نشر أحمد عزت عبد الكريم طبعة جديدة للمدونة بعد دراسة النسخة الأصلية ونسخة القاسمي، فوصلت إلى القارئ المعاصر حكايات من ذلك الزمان تشبه السحر في لونها ومذاقها. والفارق بينها وبين الواقع الساحر لكتابة النص المعاصر أنها أحداث حقيقية.

كانت عائلة البديري تمتهن الحلاقة وكانت تقطن ضاحية القبيبات في حي الميدان بدمشق. عمل البديري حلاقاً في محل صغير قرب قصر أسعد باشا العظم حاكم دمشق حينذاك. ومن طبيعة هذا العمل أنه يلتقي بالكثير من الناس ويسمع تداول أخبار المدينة، ولطالما كانت مهنة الحلاقة ذات بعد اجتماعي، حيث يدور الحديث بين الحلاق والزبائن، حديث من نوع مهنة الزبون لأن مهنة الحلاق واضحة عكس مهنة الزبون وعليه يطلق المصريون على الحلاقين تظرفاً (أقوى جهاز مخابرات شعبية).

لولا يوميات البديري الحلاق لظلت كثير من قصص الشام طي الكتمان ولما وصلنا من حوادث تلك الأيام سوى النزر اليسير، رغم أن معاينات البديري كانت مجرد ذكر عاجل للوقائع والتواريخ لكن فيها من الطاقة التخيلية ما يغذي الموهبة لكتابة نص روائي بامتياز.

كانت أوراق البديري أشبه بعدسة الكاميرا التي تُخزن الأحداث دون إضافات أو حذوفات، كانت حقائق واضحة تشبه الصحف الحديثة غير أن محررها كان حلاقاً وليس «جورنالجي».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات