فهم سطحي

منذ انطلاقة الثورة السورية يطارد الناشرون الكتب التي عن سوريا بأية لغة كانت، ليضعوها بين أيدي القراء؛ ليطلعوا أو ليفهموا كيف تحولت الثورة إلى حرب أهلية، وكيف أصبح القاتل شهيداً يسير في جنازته مفتولو العضلات منفوخو الصدور. ومن بين تلك الكتب يأتي كتاب (داخل سورية) لمؤلفه ريز إرليخ، في هذا الكتاب يحاول الصحافي الأميركي المخضرم أن يكشف عن العوامل التي تسببت بالحرب الأهلية السورية، يقدم إرليخ صورة حيّة عن واقع صراع القوى الهائل الذي يغذي الأزمة السورية.

حمل الكتاب عنواناً رفيعاً «قصة الحرب الأهليّة وما على العالم أن يَتوقّع»، الأمر الذي قد يستفّز الكثير من السوريين، نظراً لتحفّظهم على تعريف ما يجري في سوريا بكونه «حربا أهليّة»، والتأكيد على كونها انتفاضة شعبيّة حاولت تشكيل ثورة شعبيّة ضدّ نظام سياسي أمني حاكم، لكنها وقعت في فخ العسكرة واللعبة الدوليّة.

ولإعطاء الكتاب أهمية استثنائية قدم له نعوم تشومسكي أستاذ اللسانيات والفيلسوف الأميركي المعروف، بمدخل لا يخلو من سعة إطلاع على تاريخ المنطقة واصفاً تحولاتها مما يجعل التفكير بمنطقية الكتاب عقلانياً أكثر من كونه منصفاً لفريق ضد الآخر.

ما يلفت حقاً في الكتاب، تلك البسطة التمهيدية عن شخصية لورانس، الضابط البريطاني الذي اشتهر بدوره في مساعدة القوات العربية خلال الثورة العربية عام 1916 ضد الدولة العثمانية، والذي تحولت قصته إلى فيلم سينمائي عام.

كثير من ساسة الغرب ومثقفيه وبسطاء الناس، استمدوا فكرتهم عن العرب من لورانس، وكونوا مخزونهم المعرفي عن المنطقة من رسائله وخرائطه، تماماً كما فعلوا عندما وجدوا في رسومات دولاكروا نموذجاً لنساء الشرق المكتنزات مدخنات الشيشة حول بركة السباحة وحولهن جاريات بغلالات رقيقة، وكذا استمدوا من ألف ليلة وليلة الحكايات، حكايات الشرق الغابر، وهو ما يدفع للاعتقاد أن الغرب يرانا من خلال هؤلاء: ألف ليلة وليلة في غابر الزمان، رسومات فناني المستعمرات ما بعد القرون الوسطى، ولورانس العرب في العصر الراهن.

كم هو فهم سطحي للشرق!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات