مدن الثقافة

تزدحم الأنشطة في أكتوبر من كل عام معلنة بداية موسم ثقافي جديد، ويكاد المرء لا يجد وقتاً للمتابعة، أو لا يعرف أين يذهب من كل تلك الأنشطة المحلية، حيث مؤتمر دبي للترجمة وأسبوع دبي للتصميم في العشرين من الشهر الجاري، ومهرجان مسرح الشباب في الثاني والعشرين منه، فضلاً عن عشرات المعارض التشكيلية ومثلها من العروض الموسيقية التي لها عشاقها ومحبوها.

ازدحام الأجندة الثقافية في دبي، يماثله ازدحام في الشارقة وأبوظبي، ناهيك عن معرض عالمي للكتاب في فرانكفورت، المعرض الذي لا يغيب العرب عنه، والذي تسير في أروقته ولا تكف عن الالتفات إلى جهة تأتي منها الضاد، وكلما ازدحمت أجندة الثقافة في مكان ما، هذا دليل صحة وعافية وتأكيد على قيمة الفعل الثقافي في المجتمع.

ما يرصده المرء في الثقافة هو ما يبقى في وجدانه ويعيش في أعماقه، ولعلنا لا ننسى تلك الأماكن التي نزورها خلال سفرنا، خصوصاً الأماكن التي نجد فيها إضافة لمعارفنا فتعلق في ذاكرتنا، ولكن أي متعة تلك عندما نجد المكان الذي قرأنا عنه في كتاب أو رواية ماثلاً أمامنا ببيوته وطرقاته يقودنا نحو الألفة والمحبة. فنعقد الصداقة تلو الصداقة مع الشرفات والشبابيك.. فقط لأن المكان نعرفه منذ زمن.. زمن الرواية.

الثقافة رواية ماثلة أمامنا فيها غنى المكان وقيمته الوجدانية وعذوبة المطارح وإبهار الشكل، جميعها تُوصل إلى بناء رواية، فكلما أوغلت الثقافة في المجتمع أصبح المكان منتجاً روائياً، والروائي الحصيف من ينتخب شخوصه ويعطيهم القيمة الإنسانية ويمضي بهم نحو الورق ليكونوا شهود المكان الذي نزوره.

هكذا تأخذ مدن الثقافة بيد القارئ نحو الصداقة، ليتعرف من خلالها إلى طرقات (أراكاتاكا) في كولومبيا، المدينة الصغيرة التي نالت شهرتها على يد ماركيز وهو يصف أزقتها، أو مطارح خان الخليلي التي حولها نجيب محفوظ إلى لغة بصرية لا غنى للسائح عنها، أو للوقوف على جسر نهر درينا، حيث حملت رواية إيفو آندرِتش نفس الاسم، ومن ثم السير في شوارعها وكأنك تعرف المكان، لأن قلماً خصباً كتب عنه بمحبة صادقة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات