ضد أمسهم..

تنظر الأجيال الجديدة في جمهوريات آسيا الوسطى أو غيرها ممن لم يطلق عليها تسمية محددة إلى عهد الاتحاد السوفييتي نظرة غير محببة، فهو استعمار من الناحية السياسية والعسكرية، وطامس للهوية الوطنية لشعوب ذات حضارة وكيان وكان لها عبر التاريخ مكانة لا يستهان بها.

جورجيا جمهورية ناشئة تقع عند ملتقى شرق أوروبا بغرب آسيا، وهي أرض بكر لا يعرف عنها العالم كثيراً سوى أنها قدمت الرفيق جوزيف جوغاشفيلي ـ المشهور باسم ستالين (18 ديسمبر 1878 - 5 مارس 1953) ليصبح القائد الثاني للاتحاد السوفييتي ورئيس الوزراء (1941 - 1953)..

حيث عُرف بقسوته وقوته وأنه قام بنقل الاتحاد السوفييتي من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي مما مكن الاتحاد السوفييتي من الانتصار على دول المحور في الحرب العالمية الثانية والصعود إلى مرتبة القوى العظمى.

وفي مسقط رأسه بمدينة غوري بنى السوفييت متحفاً يتوافد إليه الناس لمشاهدة بيته الفلاحي الصغير والتجول في عربة قطاره الحربي أو مشاهدة إرثه من صور ونياشين وغلايين وانتصار ساحق على النازية، لذلك يراه الروس بعين غير التي يراه بها أبناء جورجيا، وخاصة بعد حرب عام 2008 التي انتزعت فيها روسيا مناطق من أوسيتيا الجورجية.

وقد دفع الأمر بوزير الثقافة الجورجي آنذاك المطالبة بهدم متحف ستالين، لأنه يرمز للاحتلال الروسي وليس لعظمة جورجيا الفقيرة التي لا تزال بصمات الاشتراكية على أبنيتها وشوارعها وكل دوائرها الحكومية رغم مسحة التحضر التي تحبو وسط ركام من بيروقراطيات «الأخ الأكبر».

غير أن الأجيال الجديدة التي تفتح وعيها في عصر «البلاي ستيشن» تبحث عن هويتها الضائعة، حيث لا شعراء مشهورين أو فنانين أو رياضيين أو غيرهم سوى الذين رسّمهم الروس طيلة سبعين سنة. وها هي جورجيا اليوم تبني وجودها عبر بوابات مفتوحة نحو الآخر وكأنها تريد اللحاق بالعالم المتحضر ودليلها علم فيه خمسة صلبان، واحد كبير تتوزع داخله أربعة صلبان صغيرة في تأكيد على جذرها المسيحي الذي محاه السوفييت عندما مسحوا كل رسومات الرهبان من الأديرة القديمة وجعلوها بيضاء في تحدٍّ واضح لشعب متمسك بعقيدته أكثر من سياساته الاستراتيجية..

والتي لا يعرفها أصلاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات